ذوو الشهداء في القنيطرة خارج الحسابات توثيق ناقص، غياب رعاية، وأسئلة بلا إجابات

بعد مرور عام على تحرير محافظة القنيطرة، ما يزال ملف ذوي الشهداء واحداً من أكثر القضايا حساسية وإلحاحاً، في ظل غياب بنية مؤسسية واضحة تُعنى بأوضاعهم، وتؤمّن الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية والاقتصادية لأسر فقدت معيلها خلال سنوات المواجهة مع النظام البائد.

تحقيق استقصائي أجراه موقع مؤسسة جولان، استند إلى استطلاع ميداني وشهادات مباشرة من ذوي الشهداء، أظهر تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المحافظة قد شهدت أي خطوات عملية لتأسيس جمعية مختصة تُعنى بشؤون الشهداء، أو وضع سياسات واضحة تمنح أسرهم أولوية في فرص العمل والشواغر ضمن المؤسسات العامة.

أسر بلا معيل… وغياب الدعم المنهجي

يقول “سليمان الطحان”، موظف: “إن أحد أقاربه يُعد من أوائل شهداء القنيطرة، وقد استشهد في مزارع الأمل خلال المعارك التي مهّدت لتحرير المنطقة. ويوضح أن الشهيد ترك خلفه عائلة دون معيل، “من دون أن يطرأ أي تغيير فعلي على أوضاعهم بعد التحرير، لا من حيث العمل ولا من حيث الرعاية”.

بدوره، يؤكد “علاء الأسعد”، من بلدة جباثا الخشب – إحدى أولى البلدات التي خرجت عن سيطرة النظام المخلوع – أن شقيقه قُتل خلال المواجهات، مشيراً إلى أن عائلات الشهداء ما تزال تنتظر إجراءات تعويض وإنصاف ملموسة، رغم مرور عام على انتهاء المعارك.

أما “عايدة الرشيد”، زوجة معتقل قضى في سجون النظام السابق، فتصف واقعاً معيشياً بالغ الصعوبة، إذ تعيش مع أطفالها من دون مصدر دخل ثابت، في ظل غياب أي برنامج دعم مستدام، مؤكدة أن المساعدات الفردية “لا ترقى إلى مستوى الحاجة ولا توفّر أماناً معيشياً”.

أولوية التوظيف… مطلب بلا آلية

عدد من المشاركين في الاستطلاع شددوا على أن أحد أبرز مطالب ذوي الشهداء يتمثل في أولوية التوظيف ضمن المديريات والمؤسسات العامة. ويرى “فادي عربي”، أحد ذوي الشهداء، أن “الإنصاف الحقيقي يبدأ بتأمين وظيفة تحفظ كرامة الأسرة وتؤمّن لها حداً أدنى من الاستقرار”، لافتاً إلى أن الشواغر الموجودة لا تُدار وفق معايير معلنة أو شفافة تراعي خصوصية هذه الفئة.

التوثيق… عقدة المرحلة الانتقالية

يبرز ملف توثيق الشهداء كأحد أكثر الملفات تعقيداً. إذ أفاد عدد من الأهالي بأنهم أُجبروا، خلال فترة سيطرة النظام البائد، على تسجيل وفاة أبنائهم على أنهم “قُتلوا على يد عصابات إرهابية”، في محاولة لطمس حقيقة استشهادهم خلال المواجهات. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مدى دقة وشمول قوائم شهداء الثورة المعتمدة حالياً في المحافظة.

 لا جمعية حتى الآن وخطوات توثيق جارية

في رد رسمي على تساؤلات التحقيق، صرّحت مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة القنيطرة، السيدة “ميساء العجلوني”، لموقع “مؤسسة جولان”، أنه:

 “لم يتم حتى الآن إحداث جمعية تُعنى بشؤون الشهداء على أرض المحافظة”.

وأوضحت “العجلوني” أن اجتماعاً عُقد في مبنى المحافظة مع ذوي الشهداء، بحضور السيد “محمد الناصر”، مسؤول تجمعات الريف الغربي، جرى خلاله الاستماع إلى مطالب الأهالي ومناقشتها، مشيرة إلى أنه “تم رفع كتاب رسمي من المحافظة إلى الجهات المعنية للتأكيد على ضرورة إيلاء ملف الشهداء الاهتمام اللازم، سواء من حيث التوثيق أو المتابعة”.

وأضافت أن العمل جارٍ على صعيد التوثيق، حيث “تم تقديم بيانات تتعلق بالمفقودين إلى مكتب المفقودين في الجنوب السوري، التابع لوزارة الدفاع”، إلى جانب جمع بيانات الجرحى والمفقودين وذوي الإعاقات، لافتة إلى أن هذه الملفات تُدار حالياً عبر مكتب واحد يغطي محافظات درعا والقنيطرة والسويداء.

بين الوعود والانتظار

يخلص التحقيق إلى أن ذوي الشهداء في القنيطرة يقفون اليوم أمام واقع معقّد: غياب جمعية متخصصة، محدودية برامج الرعاية، غموض في آليات التوظيف، وتوثيق لم يُحسم بالكامل. وفي وقت يؤكد فيه المسؤولون بدء خطوات إدارية وتوثيقية، يرى الأهالي أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الخطوات إلى نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية.

ويبقى السؤال مفتوحاً بعد عام على التحرير:
هل ينجح هذا الملف في الانتقال من خانة الوعود والاجتماعات إلى سياسات عملية تُنصف ذوي الشهداء وتحفظ حقوقهم؟ أم سيظل أحد أكثر ملفات المرحلة الانتقالية تأجيلاً؟

  • محمد جابر - عبدالله عوض

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top