في قلب مرتفعات الجولان، وبين تلال محمية جملا الطبيعية، تقف أنقاض قرية دير قروح شاهدة على تاريخ طويل من التداخل الحضاري والصراع على الهوية. ورغم أن المكان اليوم يبدو مجرد خربة، إلا أن جدرانه المتهدمة وأحجاره الصامتة تحمل ذاكرة تمتد من العصر البيزنطي حتى القرن العشرين.
من البيزنطيين إلى المماليك
تأسست دير قروح في القرن الرابع الميلادي، لتصبح في القرن السادس مركزًا دينيًا بارزًا بكنيسة ودير مكرّسين للقديس جورج.
لكن القرية سرعان ما هُجرت في منتصف القرن السابع مع الفتح الإسلامي للشام، قبل أن تعود إليها الحياة في العصر المملوكي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، حيث استُخدم المجمع الرهباني لأغراض جديدة.
قرية حديثة… ثم هجرة جديدة:
في القرن العشرين، نشأت قرية سورية حديثة فوق هذه الأرض، لتعيد وصل الحاضر بالماضي. غير أن حرب 1967 قلبت المشهد، إذ هُجرت القرية مرة أخرى وأصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية، لتتحول إلى جزء من الحديقة الوطنية والمحمية الطبيعية في الجولان.
قيمة أثرية ومعمارية:
الجزء الشمالي الشرقي من الموقع هو الأكثر حفظًا، ويضم ديرًا متمركزًا حول الكنيسة. الطراز المعماري يكشف عن حنية مربعة الشكل، وهي سمة معروفة في كنائس سوريا والأردن القديمة، لكنها نادرة غرب نهر الأردن. أما النقوش على المدخل، فتشير بوضوح إلى تكريس الكنيسة للقديس جورج، ما يعكس البعد الديني المسيحي الذي ميّز المنطقة في تلك الحقبة.
بين الذاكرة والسياسة:
اليوم، لا تُقرأ دير قروح فقط كأثر بيزنطي، بل كرمز سياسي وثقافي. فهي جزء من رواية متنازع عليها بين الذاكرة السورية والواقع المفروض بالاحتلال. أطلالها تذكّر بأن الجولان لم يكن فراغًا، بل أرضًا مأهولة عبر العصور، وأن الحفاظ على هذه المواقع هو معركة ذاكرة بقدر ما هو معركة سيادة.
دير قروح ليست مجرد حجارة صامتة، بل نص مفتوح يروي قصة الجولان: حضارات تعاقبت، قرى نشأت وهُجرت، وذاكرة لا تزال تقاوم النسيان. إنها شاهد حي على أن الأرض تحفظ تاريخها، مهما تغيّرت الظروف ومهما حاولت السياسات أن تطمس معالمها.
- بلال محمد الشيخ






