بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، تنفّس سكان “القرى الأمامية” المحاذية للجولان المحتل الصعداء لأول مرة منذ سنوات طويلة. انتهى عهد القبضة الأمنية الثقيلة، وتراجعت ممارسات الاعتقال والتنكيل التي ارتبطت باسم النظام البائد، غير أن هذا “الارتياح” لم يدم طويلاً. فخلال أشهر قليلة، فُتح فصل جديد من القلق اليومي، عنوانه التوغلات الإسرائيلية المتكررة، وما رافقها من اعتقالات طالت عشرات المدنيين السوريين.
على امتداد عام كامل، وسّع جيش الاحتلال الإسرائيلي نطاق عملياته داخل ريف القنيطرة وأجزاء من ريف درعا الغربي، شملت بلدات وقرى “جباثا الخشب، بيت جن، عين البيضا، سويسة، الدواية الكبيرة، الأصبح، العشة، كودنة، الصمدانية الشرقية والغربية، الرفيد، صيدا، صيدا الحانوت”، إضافة إلى “كويا، معرية، جملة”، وقرى أخرى ملاصقة لخط وقف إطلاق النار. هذه التوغلات لم تقتصر على تحركات عسكرية محدودة، بل ترافقت مع دهم منازل، تفتيش قسري، وموجات اعتقال أثارت مخاوف واسعة بين الأهالي.
يقول أحد سكان القرى الأمامية، فضّل عدم ذكر اسمه، إن المنطقة “ارتاحت فعلياً من نظام الأسد”، لكن حالة الخوف عادت بشكل مختلف. ويضيف: “اليوم لا يوجد حواجز ولا فروع أمن، لكن التوغلات الإسرائيلية صارت واقعاً يومياً، والاعتقال التعسفي بات شبحاً يلاحق الجميع”.
وتتكرر الشهادات حول طبيعة هذه العمليات. يروي موظف سابق،(هـ – ع)، أنه تعرّض خلال إحدى المداهمات لعملية “تعفيش” كاملة، شملت سرقة أموال ومقتنيات تزيد قيمتها على 30 ألف دولار. ويقول:
“لم يكن أمامنا أي خيار، الجنود دخلوا المنزل، صادروا كل شيء، وعشنا أنا وأطفالي ساعات رعب حقيقية”.
في موازاة هذه الشهادات، تكشف بيانات موثقة حصلت عليها مؤسسة “جولان” أن عدد المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال، نتيجة هذه التوغلات، بلغ حتى اليوم 43 معتقلاً بالاسم. ويقود المحامي “أحمد الموسى” عملية توثيق الملف قانونياً، مؤكداً أن هذه الأرقام ليست تقديرية، بل قائمة على بيانات دقيقة وشهادات مباشرة من الأهالي.
ويقول “الموسى” إن أربعة من المعتقلين كانوا قاصرين عند لحظة اعتقالهم، ولا يزال أحدهم قاصراً حتى الآن، بينما جرى اعتقال 39 شخصاً بعد تاريخ 8 كانون الأول 2024، أي بعد سقوط النظام مباشرة. ويوضح أن العدد الإجمالي للمعتقلين وصل سابقاً إلى 50 معتقلاً، قبل أن يُفرج عن سبعة منهم نتيجة تحركات قانونية وضغوط حقوقية، بعضها تزامن مع جلسات لفريق العمل المعني بالاختفاء القسري التابع لمجلس حقوق الإنسان.
وفي سياق متصل، حذّر “الموسى” من محاولات استغلال معاناة الأهالي، بعد تسجيل حالات نصب واحتيال استهدفت ذوي المعتقلين، عبر وعود كاذبة بالإفراج مقابل مبالغ مالية. وأكد أن “غياب المعلومات الرسمية يفتح الباب أمام هذه الانتهاكات”.
في المقابل، يبرّر جيش الاحتلال اعتقالاته بادعاءات تتعلق بوجود صلات لبعض المعتقلين مع حزب الله اللبناني أو مجموعات إسلامية مسلحة. غير أن مصادر محلية وقادة أمنيين سوريين يؤكدون خلو المنطقة تماماً من أي نشاط لحزب الله أو تنظيمات مماثلة منذ سقوط النظام، وهو ما تدعمه تقارير ميدانية رصدها مراسل مؤسسة “جولان”، أظهرت أن غالبية المعتقلين مدنيون، يعمل بعضهم في الزراعة أو رعي الأغنام، ولا صلة لهم بأي عمل عسكري.
وتكشف شهادات أخرى عن ظروف احتجاز قاسية. أفاد (ع – خ) أن أحد أقاربه:
اعتُقل لمدة شهرين، قبل أن يُلقى به داخل قرية ملاصقة لخط الفصل، بعد تعرضه لضرب مبرح أدى إلى كسر أضلاعه. جرى تسليمه لاحقاً للأمن العام في القنيطرة، لكنه توفي بعد أيام نتيجة تدهور حالته الصحية.
وتشير إفادات متعددة إلى تعرّض المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية للضرب المبرح والمعاملة المهينة، واحتجاز بعضهم لساعات طويلة في العراء، تحت أشعة الشمس أو في ظروف جوية قاسية، دون أي رعاية طبية، ما أدى إلى تدهور صحة عدد منهم.
ورغم حجم التوثيق، لا يزال الخوف سيد الموقف. كثير من العائلات رفضت الحديث للإعلام، فيما فضّل معظم أولياء المعتقلين عدم ذكر أسمائهم، خشية الاعتقال أو الانتقام. وبينما تحرّرت المنطقة من نظام الأسد، يجد سكانها أنفسهم اليوم أمام معركة مختلفة: معركة توثيق، ومطالبة بالمساءلة، ومنع تحوّل التوغلات والاعتقالات إلى أمر واقع جديد يُدار بالصمت.
- محمد جابر






