كاريكاتير عماد الحاج في X

عادت قضية رجل الأعمال الأميركي “جيفري إبستين” إلى واجهة الاهتمام العالمي، بعد الإفراج عن دفعة جديدة وضخمة من الوثائق الرسمية المرتبطة بتحقيقات استمرت سنوات حول شبكة استغلال جنسي معقدة، امتدت علاقاتها إلى دوائر سياسية ومالية وإعلامية نافذة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

“إبستين”، الذي وُجهت إليه اتهامات بالاتجار الجنسي بالقاصرين قبل أن يُعلن عن وفاته داخل محبسه عام 2019، وبالإضافة إلى أنه رجل ثري متورط في جريمة جنائية، كان شخصية محورية داخل شبكة علاقات عابرة للحدود، استخدمت المال والنفوذ لتأمين الحماية، وتحييد المساءلة، وشراء الصمت لسنوات طويلة.

الوثائق التي كُشف عنها أخيراً لا تقدم حتى الآن لوائح اتهام جديدة، لكنها تسلط الضوء على نمط مقلق من العلاقات المتشابكة بين “إبستين” وشخصيات مؤثرة في مواقع القرار. أسماء وردت في سياق مراسلات، ولقاءات، ورحلات، أو علاقات اجتماعية ومالية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تورطاً جنائياً مثبتاً، لكن مجرد وجودها في هذا السياق أعاد طرح سؤال قديم: كيف تُدار السلطة حين تلتقي مع المال دون رقابة؟

اللافت أن التسريبات تشير إلى تواصل “إبستين” مع شخصيات غير أميركية، من بينها رجال أعمال ومسؤولون من دول مختلفة، بما فيها دول عربية، في إطار علاقات نفوذ واستثمار وعلاقات شخصية. حتى اللحظة، لا توجد أي وثيقة رسمية تثبت تورط قادة عرب أو رؤساء دول عرب في جرائم الاستغلال نفسها، لكن ظهور هذه الأسماء في محيط القضية يفتح الباب أمام تدقيق أوسع في طبيعة تلك العلاقات وحدودها.

في المقابل، لا تظهر الوثائق الحالية أي دليل مباشر يربط النظام السوري السابق أو شخصيات رسمية سورية بالقضية، باستثناء ذكر رجل الأعمال السوري-البريطاني “أحمد عزام” في سياق زيارة إلى جزيرة “إبستين” الخاصة. ومع ذلك، تبقى الأسئلة مفتوحة، خاصة في ظل الإفراج المتدرج عن الملفات، وما يحمله من احتمال ظهور معطيات جديدة في المراحل المقبلة، أو على العكس، إسقاط فرضيات كانت تُطرح دون أساس صلب.

القضية، في جوهرها، تحولت إلى اختبار أخلاقي وقانوني للنظام الدولي، ولقدرة المؤسسات القضائية على التعامل مع الجرائم حين يكون المتهم محاطاً بنخب تحتمي بالحصانة والنفوذ.

ما تكشفه الوثائق حتى الآن هو حجم الفجوة بين الخطاب الأخلاقي الذي تتبناه عواصم القرار، وبين الواقع الذي يسمح لشبكات كهذه أن تعمل سنوات طويلة دون محاسبة حقيقية. وبينما تتواصل عمليات التدقيق والنشر، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستقود هذه الكشوفات إلى مساءلة فعلية، أم ستضاف إلى أرشيف الفضائح الكبرى التي هزت الرأي العام ثم طُويت بلا محاسبة كاملة؟.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top