المشهد يبدأ من هناك، من تلك الأرض المرتفعة التي تحمل اسم “الجولان”. حكايات لم تكتبها الأرقام، ولم تسجلها كاميرات، حكايات كتبت في غياهب النسيان.. أو في منفى قسري.
هي ذاكرة حية تحملها قلوب رحلت، وأخرى تمسكت بالحجارة والباقي من التراب. أكثر من خمسين عاماً، والوقت هنا لا يتحرك كالساعات، بل كجرح بطيء النزيف.
في القرى المتناثرة على سفوح الهضاب، تنحني الأيام تحت ثقل الروتين ذاته. يستيقظ الأب مع الفجر ليرى حقله، الذي صار عبئاً أكثر منه رزقاً. بذور غالية الثمن، وماء شحيح، وأسواق بعيدة. الزراعة لم تعد تُطعم من جوع، لكنها تبقى هوية تذوب ببطء. ترى الشباب يغادرون واحداً تلو الآخر، ليس بحثاً عن الثراء، بل هرباً من الفقر الذي يأكل المستقبل قبل الحاضر. تغادر الأقدام، وتبقى القلوب معلقة بأسلاك شائكة وذكريات.
وفي العاصمة دمشق وضواحيها، حيث يبحث القادم عن ملاذ، يجد نفسه في مواجهة قسوة جديدة. المدينة تتعامل معه كوافدٍ عليها، لا كمواطن فيها. تفرض عليه إيجارات شهرية تلتهم الجزء الأكبر من دخله. شقة ضيقة في حيّ هامشي، تَحلم كل ليلة ببيت العائلة الواسع في الجولان. يعمل الرجال في مهن هي من آخر الخيارات، سائقين أو عمال يومية أو باعة متجولين، في معركة يومية للحصول على ما يكفي لإعالة أسرهم. النزوح داخل حدود الوطن لا يلغي الغُربة. هم هنا جسداً، ولكن القلب والعقل هناك. والحلم الذي يلاحقهم ليس ادخاراً لإرسال أموالٍ إلى خارج البلاد، وإنما هو توفيرُ ثمن رحلة زيارة إلى قريتهم في العيد، أو شراء دواءٍ لم يعد متوفراً في صيدلية محافظتهم المُهمّشة. إنها غربة داخل الوطن نفسه.
النساء هنا هن حارسات الذاكرة ومعلمات الأمل. تحمل الواحدة منهن عبئاً لا يُرى. في قراها، تسير كيلومترات خلف أولادها كي يصلوا إلى مدرسة بجدران متشققة. في منفاها، تقتصد من قوتها كي تدفع لدرس خصوصي لطفل من أطفالها. عيناها دوماً على الأبناء، وقلبها دوماً هناك، في الجولان.
الأطفال يلعبون في أزقة دمشق الضيقة، أو بين سواد الأحجار الكبريتية في قراهم. في عيونهم سؤال لم يتعلموا نطقه بعد: لماذا نحن هنا؟ ولماذا هم هناك؟ يحملون اسماً ثقيلاً: (أبناء الجولان او النازحون). يحملونه في المدرسة، في الحي، في نظرات الغرباء. هويتهم قصة حزينة لم يختاروها.
أما الشباب، فيعيشون في زمن متوقف. أحلام الزواج، بناء بيت، حتى امتلاك سيارة قديمة، كلها أحلام تتحول إلى كماليات. يجلسون في المقاهي يتحدثون عن نفس المشاكل، بنفس الشعور من العجز. المستقبل أمامهم مثل ضباب كثيف، لا يعرفون كيف يخترقونه، ولا إلى أين سيصلون إذا ما فعلوا.
لكن في خضم هذا اليأس الكبير، تظهر لحظات صغيرة من النور. اتصال هاتفي من القرية أو مكان النزوح يملأ البيت في المنفى ضحكاً. مساعدة جار لجار في محنة. عرس بسيط يجمع الأقارب من كل المنافي. تَمسك بلغة الآباء، بطبق الطعام التقليدي، بقصة تروى قبل النوم. إنها ليست مقاومة بالسلاح، مقاومة بالوجود. وإصراراً على أن تبقى الذاكرة حية، وأن تنتقل من جيل إلى جيل.
النضال هنا ليس سياسة أو شعارات. هو أن تنجح في أن تبقى إنساناً في ظروف لا إنسانية. أن تحافظ على كرامتك وأنت تطلب حقك الأساسي في العلاج، في التعليم، في عمل شريف. أن تمسك بصورة أرضك وأنت بعيد عنها، مؤمناً أن الصبر، رغم طوله، يجب أن يكون له نهاية.
المشهد ينتهي حيث بدأ. عند أرض الجولان التي تنتظر، وعند قلوب أبنائها المتناثرة التي لا تزال تنبض بنفس الأمل القديم: العودة، والعدالة، وحياة بسيطة يستحقونها.






