جانب من معرض نتذكر ونقاوم في معضمية الشام

تصدّرت المطالبة بالعدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم السلاح الكيميائي فعاليات افتتاح معرض “نتذكر ونقاوم” في مدينة معضمية الشام بريف دمشق، والذي أُقيم اليوم ضمن حملة “لا تخنقوا الحقيقة”، إحياءً لذكرى ضحايا مجازر الكيماوي في الغوطة الشرقية، وتأكيدًا على حقهم في العدالة والإنصاف.

وضمّ المعرض 12 عملاً فنياً قدّمها 11 فناناً سورياً من خلفيات وتجارب مختلفة، تنوعت بين التصوير الضوئي، والرسم الزيتي، وأعمال تركيبية ومجسّمات من مخلفات الأسلحة، في محاولة لاستخدام الفن كأداة توثيق وذاكرة ومطالبة قانونية، بعيداً عن الصور الصادمة، مع الحفاظ على كرامة الضحايا ومشاعر الناجين.

وجسّدت الأعمال الفنية معاناة المدنيين خلال الهجوم الكيميائي الذي نفّذه النظام البائد باستخدام غاز السارين المحظور دولياً في 21 آب/أغسطس 2013، وأسفر عن استشهاد أكثر من 1400 مدني، بينهم مئات الأطفال والنساء، وإصابة آلاف آخرين بحالات اختناق وتسمم خطيرة.

وتنوّعت القصص المصوّرة في اللوحات بين مشاهد الفقد، والعجز، والموت الصامت، من بينها لوحة “يمكنني رؤية ابنتي لكن لا يمكنني الوصول لها” للفنانة ديالا برصلي، ولوحة “اختناق” للفنان عمار بويضاني، إضافة إلى عمل كاريكاتيري بعنوان “نوبل بالكيماوي” للفنان موفق قات، حمل إدانة رمزية للجريمة ومرتكبيها.

وفي تصريحات صحفية، أكد منسق حملة “لا تخنقوا الحقيقة” في ريف دمشق فارس المنجد أن المعرض يهدف إلى ربط الذاكرة السورية بمسار العدالة الانتقالية، وترسيخ الرواية الحقيقية للضحايا في مواجهة محاولات الإنكار والتضليل، مشيراً إلى أن الفن يُستخدم هنا كوسيلة حقوقية وإنسانية للمطالبة بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

وأوضح المنجد أن المعرض وصل إلى معضمية الشام بعد محطتين في مدينتي زملكا وداريا، بمشاركة فنانين سوريين عايشوا الحصار والتهجير، لافتاً إلى أن المحطة المقبلة ستكون في مدينة دوما، ضمن خطة لنقل المعرض إلى مناطق سورية مختلفة، بهدف توسيع دائرة الوعي المجتمعي بالجرائم المرتكبة.

وشدد مسؤول الإدارة المدنية في معضمية الشام محمد السيد أحمد على أن استضافة المعرض تأتي في إطار الجهود المستمرة لتوثيق الجرائم التي تعرضت لها المدينة، وتخليد ذكرى الشهداء، مؤكداً أن هذه الفعاليات تشكل جزءاً أساسياً من المطالبة بالعدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين.

وشهد افتتاح المعرض حضور عدد من أهالي المدينة وناجين من الهجوم الكيميائي، بينهم أحمد الشيخ، والد ثلاثة أطفال استشهدوا في المجزرة، الذي استعاد شهادته المؤلمة عن تفاصيل الهجوم الذي وقع قبيل صلاة الفجر، مع تساقط الصواريخ السامة على الأحياء السكنية، وتكدس جثامين الضحايا في الشوارع، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها سوريا.

وتستمر فعاليات المعرض حتى 31 من الشهر الجاري، بتنظيم من الإدارة المدنية في معضمية الشام، وبالتعاون مع الفرق التطوعية والمكتب الإعلامي في المدينة.

وتُمثّل مجزرة السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية أحد أبرز ملفات العدالة الانتقالية في سوريا، بوصفها جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية موثّقة بالأدلة والشهادات، ولا تسقط بالتقادم. فغياب المحاسبة حتى اليوم لا يلغي حق الضحايا في العدالة، بل يؤكد الحاجة الملحّة إلى مسار عدالة انتقالية حقيقي يضمن كشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين عن استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، وجبر ضرر الضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية من التزييف والإنكار.

وتأتي المعارض والفعاليات التذكارية، مثل معرض “نتذكر ونقاوم”، كجزء من هذا المسار، باعتبارها أدوات للذاكرة والمساءلة، تسعى إلى تثبيت رواية الضحايا في الوعي العام، وربطها بجهود العدالة الدولية، والتأكيد على أن أي تسوية سياسية أو مستقبل مستقر في سوريا لا يمكن أن يقوم دون عدالة انتقالية تُنصف الضحايا، وتضع حدّاً للإفلات من العقاب، وتمنع تكرار الجرائم.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top