على ضفاف بحيرة طبريا، وإلى الجنوب الشرقي من قرية البطيحة، تمتد قرية كنف التي حملت عبر تاريخها إرثاً حضارياً وزراعياً غنياً. فهي قرية جمعت بين جمال الطبيعة وخصوبة الأرض، وبين آثارٍ شاهدة على تعاقب الحضارات.
آثار وحضارات متعاقبة:
أقيم جزء من القرية الحديثة فوق خربة قديمة، حيث عُثر على مقابر ومعابد وأحجار منقوشة بكتابات رومانية وبيزنطية وفارسية وإسلامية. في عام 1885 زارها المستشرق البريطاني لورانس أوليفانت، فاكتشف منحوتات أثرية تعود للعصر الروماني، إضافة إلى مخزن حجري للحبوب. ثم جاءت حفريات عام 1932 لتكشف عن آثار جديدة من العهدين الإسلامي والفارسي، مؤكدة أن كنف كانت محطة حضارية وزراعية عبر العصور.
ينابيع وبيوت حجرية:
تشتهر القرية بوفرة ينابيعها: عين التينة، عين النشيب، عين كنف، والعين الشمالية، وكلها مبنية بالقناطر الحجرية المزخرفة. أما بيوتها فكانت من الحجر الأزرق والروماني القديم، وسُقفت بالطين وأعمدة الخشب، لتشكل نموذجاً معمارياً أصيلاً.
حياة زراعية ومقاومة:
سكنها الفلاحون منذ القدم، وزرعوا الحبوب والخضار المبكرة، وربّوا الماشية والأبقار الجولانية المشهورة. لكن كنف لم تكن مجرد قرية زراعية؛ فقد لعبت دوراً في مقاومة محاولات التسلل الصهيونية قبل عام 1967، حيث كان صمود أهلها يفشل كل محاولات الاختراق.
التهجير والذاكرة:
في عدوان حزيران 1967، تعرضت كنف للتدمير والتهجير، ونزح نحو 300 من أبنائها ضمن سياسة الاحتلال الرامية إلى إفراغ القرى من سكانها. ومع ذلك، بقيت ذاكرة القرية حيّة في قلوب أهلها الذين ينتظرون يوم العودة.
إدارياً، تتبع كنف إلى منطقة الزوية التي تضم عدة قرى ومزارع. وقد تعلم أبناؤها في مدرسة القصبية المجاورة، التي أشرف عليها معلم من عشيرة الزنغرية، وتخرج منها أول أكاديمي في المحاماة من أبناء القرية. ومن عشيرة الذياب خرج رجال ساهموا في قيادة المنطقة وشاركوا في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي.
“كنف ليست مجرد قرية مهجّرة، بل رمزٌ لذاكرة الجولان، وحكاية أرضٍ تنتظر أن تُستعاد.”
- بلال محمد الشيخ






