تنفس سوريا هذه الأيام هواءً اقتصادياً مختلفاً، تنبعث رائحته من شرق البلاد. هناك، في سهول الحسكة وحقول الرقة وضفاف دير الزور، حيث تختزن الأرض خيرات الزراعة والطاقة والمياه، تبدأ خطوات متأنية لكنها واضحة لإعادة تدوير الحياة في عروق هذا الجسد الاقتصادي الذي نال منه التمزق سنوات.
القصة ليست مجرد تغيير في اللافتات الإدارية على المؤسسات أو المعابر. القصة الأكبر هي عن عمال قد يعودون إلى مضخات النفط، ومزارعين قد يجدون سبيلاً أسهل لإيصال قمحهم إلى الأسواق، وأسعار قد تستقر لأن كلفة نقل السلع من الشرق إلى المدن الأخرى لم تعد مغامرة محفوفة بالمخاطر. خبراء الاقتصاد يرون أن اللحظة الفاصلة ليست في ثروات الأرض فقط، بل في إمكانية جمع شتات هذه الموارد تحت سقف تنظيمي واحد، يحوّل سوء الإدارة إلى تدفق منتظم. النتيجة المتوقعة؟ ربما فرصة عمل هنا، وانخفاض بسيط في سعر رغيف الخبر هناك. لكن الطريق نحو هذا المشهد ليس معبّداً.. فسرعة إصلاح ما تهالك، وقدرة المؤسسات على التحول من منطق «إدارة الأزمة» إلى «صناعة المستقبل»، هما الامتحان الأصعب.
وفي الجنوب، حيث تختلف الطبيعة ولكن تتشابه الآمال، يرفع الناس رؤوسهم متسائلين: هل سيصلنا شيء من هذا الخير؟ فجنوب سوريا يملك ما يقدمه أيضاً: زراعة متنوعة تزهر في درعا والسويداء، وحرفيون بارعون يمسكون بأدواتهم بانتظار أي بصيص، وقرب من عاصمة السوق دمشق. المراقبون يتحدثون عن احتمال أن ينتقل التأثير تدريجياً، كموجة هادئة: تجارة تنشط، طرق تفتح، استثمارات بسيطة تبحث عن فرصة. قد تبدأ بدكان صغير يعيد فتح أبوابه، أو ورشة خياطة تستقبل طلبات جديدة، وهو ما يعني في لغة الناس اليومية: لقمة عيش.
بالطبع، العقبات لا تُخفى. فكيف تبني دورة اقتصادية على طرق مهترئة وجسور تحتاج إصلاحاً؟ ومن أين يأتي التمويل؟ والسؤال الأعمق: كيف تُعيد بناء جسر الثقة بين الدولة وبين مجتمعات أنهكتها السنوات، حتى يطمئنوا بأن أي تحسن لن يكون عابراً؟ التحدي الأكبر هو ألا تتحول هذه الموارد الواعدة إلى مجرد بضاعة خام تُصدّر إلى الخارج، فيما يبقى الداخل خالياً من الصناعات الصغيرة التي توظف الأيدي وتحرك الأسواق.
في النهاية، تقف البلاد على عتبة اختبار حقيقي. يُقاس نجاحها بقدر القدرة على ادارة خطط التنمية.
المهمة هي تحويل (السيطرة) على المناطق إلى تنمية لها، وربط أماكن الإنتاج بأماكن العيش بشكل طبيعي. إذا حدث ذلك، قد نرى دورة اقتصادية حقيقية تولد في الشرق وتمتد برفق لتلامس حياة الناس في الجنوب، حاملة معها ذلك الشيء الذي افتقدوه طويلاً: أمل ملموس، ولو كان بسيطاً، في غدٍ أقل وعورة.
- أحمد محمد العمر






