مع انتهاء الفصل الدراسي الأول، كان يفترض أن يطوي أساتذة الوكلاء والساعات في محافظة القنيطرة صفحةً من الجهد المضني داخل الصفوف، ليقابله حدٌّ أدنى من الاستقرار المعيشي. لكن الواقع، وفق شهادات متقاطعة، يكشف مشهداً مختلفاً: رواتب غير مكتملة، قرارات متضاربة، وتخبط إداري ترك عشرات المدرسين عالقين بين التعليم بوصفه رسالة، والعيش بوصفه ضرورة.
رواتب مجتزأة… وأشهر بلا مقابل
بحسب معطيات حصل عليها موقع “مؤسسة جولان”، لم يتقاضَ عدد كبير من المدرسين سوى مستحقات لا تتجاوز 10 أيام من شهر أيلول وشهر تشرين الأول، أي ما يقارب مليوناً ونصف المليون ليرة سورية تزيد أو تنقص. مبلغٌ، كما يقول مدرسون، لم يكن سوى “دفعة ديون”، ولم يلبِّ الحد الأدنى من التزامات أسرية متراكمة منذ بداية العام الدراسي.
المدرسون المتضررون لا ينتمون إلى منطقة واحدة، بل يأتون من بلدات متفرقة داخل المحافظة؛ على سبيل المثال، من “الكوم” إلى “مدينة السلام”، ومن “جبا” إلى مدارس بعيدة، في ظل كلفة مواصلات يومية لا يقابلها دخل ثابت أو منتظم.
العمل مستمر… والتقييم متوقف
اللافت في الشكاوى أن العملية التعليمية لم تتوقف. الأساتذة داوموا، أنجزوا أنصبتهم، والتزموا بساعاتهم، بينما بقيت مسألة التقييم والتوصيف الوظيفي (وكالة اختصاص – وكالة غير اختصاص – ساعات) معلّقة أو متبدلة في اللحظات الأخيرة.
تقول “مديرة مدرسة إعدادية” – فضّلت عدم ذكر اسمها – “إن التخبط بدأ منذ الأيام الأولى للعام الدراسي، مع مطالبات متكررة بـ”المثابرات”، وتغيير نماذجها أكثر من مرة، وصولاً إلى إعادة طلبها في 31 كانون الأول بنموذج جديد، رغم تسليمها سابقاً كاملة عن جميع الوكلاء”.
وتضيف “المديرة” أن عدد الوكلاء في مدرستها بدأ بـ16 مدرساً، ثم انخفض إلى 11 بسبب تخفيض ساعات مواد كالديانة واللغة الفرنسية، ومع ذلك استمرت المطالبات الإدارية ذاتها، دون أن يقابلها وضوح في القرارات أو انتظام في الصرف.
أسماء سقطت… وقرارات انتقائية
وفق ما أفادت به ” مديرة المدرسة” نفسها، صدر لاحقاً مشروع قرار يقسّم المدرسين “على نحو غير مفهوم”:
-
أسماء اعتُمدت كـ”وكالة”،
-
أخرى صُنِّفت “ساعات”،
-
وأسماء “سقطت سهواً” من القرار، لا وكالة ولا ساعات.
هذا الخلل فتح باباً واسعاً للاتصالات والاعتراضات، بين إدارات المدارس والتربية، وبين المدرسين أنفسهم، دون نتيجة عملية. والأسوأ، “بحسب المديرة”، أن بعض المدرسين الذين داوموا أسبوعاً أو أسبوعين ثم اضطروا للترك، لم تُحفظ حقوقهم رغم ثبوت دوامهم.
نموذج من المعاناة
تستحضر “المديرة” حالة مدرس من بلدة “الصمدانية”، يدرّس مادة الرياضيات، ويتكبد يومياً كلفة مواصلات مرتفعة. هذا المدرس، الذي وُعد بتحويله إلى “وكالة غير اختصاص”، فوجئ باحتسابه “ساعات”، بأجر لا يتجاوز بضعة آلاف ليرات للساعة، ليخرج براتب شهري “لا يعوض ثمن المواصلات”، على حد وصفها.
وتؤكد أن المشكلة لم تكن في شخص بعينه، بل في منظومة قرار غير مستقرة، تُبلَّغ المدارس بها متأخرة، أو تُعدَّل بعد بدء التنفيذ.
قرارات مركزية… وتنفيذ غائب
وبحسب معلومات جمعها موقع “مؤسسة جولان” تفيد بصدور قرار من وزير التربية ينص على اعتماد الوكالة غير الاختصاص لمن يحقق النصاب الكامل، بدلاً من نظام الساعات، لكن القرار – حتى لحظة إعداد هذا التحقيق – لم يُطبَّق عملياً في عدد من مدارس القنيطرة، وبقي حبراً على ورق.
رد مدير التربية
في تواصلٍ لموقع “مؤسسة جولان” مع مدير التربية في القنيطرة الدكتور”حكمات أحمد الذياب”، أوضح أن المديرية حوّلت المبالغ المستحقة، وأن الإشكال الحالي مرتبط بـالمصرف الزراعي وعدم تزويده بالأموال حتى الآن، مشيراً إلى أن تبديل العملة كان له أثر مباشر في التأخير.
وأكد “الذياب” أن الوزارة تتابع الملف بشكل شخصي، وأن جميع المحافظات تعاني الإشكال ذاته، لافتاً إلى أن المثابرات تُؤخذ دورياً من قبل المحاسب، وأن تقييم الوكلاء يتم وفق تسلسل إداري واضح يبدأ بمدير المدرسة ثم الموجه الاختصاصي، ولا يتم التدخل إلا في حال ورود شكاوى رسمية تستوجب تشكيل لجنة.
ووعد مدير التربية بمتابعة الموضوع بشكل عاجل، واطلاعنا “كجهة إعلامية” على أي تطورات لاحقة.
خلاصة مفتوحة
بين روايات المدرسين وردود الإدارة، يبقى السؤال الجوهري معلقاً:
كيف يمكن للعملية التعليمية أن تستقيم، فيما أحد أعمدتها الأساسية – المدرس – يعيش حالة عدم يقين مالي وإداري؟
فجوة واضحة بين القرارات الصادرة عن وزارة التربية وآليات تنفيذها، وبين الجهد التعليمي المبذول والحقوق المالية المستحقة لمدرسين شباب وكلاء في بداية حياتهم المهنية. فاستمرار التدريس دون حسم توصيف المدرسين أو صرف مستحقاتهم في مواعيدها يضع العملية التعليمية أمام اختلال إداري ومالي لا يمكن تجاهله. وعليه، تبقى معالجة هذا الملف مرهونة بخطوات تنفيذية محددة، تبدأ بتوحيد معايير التقييم، وضمان انتظام الصرف، وتحديد المسؤوليات بشكل صريح، بما يحفظ حقوق المدرسين “الوكلاء” وغيرهم.
- محمد جابر - هبة السيد






