منذ أكثر من ثلاثة عقود، يقف مخيم “الهول” شاهداً على مأساة إنسانية وسياسية معقدة. فقد أُنشئ عام 1991م في شمال شرق سوريا لإيواء نازحين عراقيين بعد حرب الخليج، لكنه سرعان ما تحول مع مرور الزمن إلى ما يشبه السجن المفتوح. ابتداءً من عام 2016، استُخدم المخيم كمركز احتجاز لعائلات مرتبطة أو متهمة بالارتباط بتنظيم “داعش”، ومع هذا التحول تغيّرت طبيعة المخيم من مأوى إنساني إلى بؤرة أمنية وسياسية. في ذروة الحرب ضد التنظيم بين عامي 2019 و2021، تضخم عدد سكان المخيم ليصل إلى أكثر من سبعين ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، قبل أن يتراجع العدد تدريجياً ليبلغ نحو تسعة وعشرين ألفاً في عام 2025م، بينهم ثمانية عشر ألف طفل بحسب إحصاءات اليونيسف.
هذا التراجع العددي لم يغيّر من طبيعة الأزمة، بل كشف عن عمقها، إذ ما زال المخيم يضم ما بين أربعين إلى ستين جنسية مختلفة، وإن كانت الغالبية من السوريين والعراقيين، بينما تواصل معظم الدول التهرب من مسؤولياتها في استعادة مواطنيها، باستثناء العراق الذي نفذ أربع رحلات لإعادة بعض مواطنيه بين عامي 2021م و2024م.
الواقع داخل المخيم مأساوي بكل المقاييس فظروف الحياة قاسية إلى حد لا يُطاق: اكتظاظ سكاني خانق، نقص في الغذاء والماء، غياب شبه كامل للخدمات الصحية والتعليمية، وتقييد صارم لحركة المقيمين.
أما الانتهاكات الحقوقية فهي موثقة في تقارير أممية ومستقلة، وتشمل الاعتقال التعسفي دون محاكمات، الحرمان من الجنسية أو سحبها، العنف الجنسي، القتل والترهيب، إضافة إلى آثار نفسية كارثية خلّفتها هذه الممارسات على النساء والأطفال. لقد نشأ جيل كامل منذ عام 2016م داخل المخيم، في بيئة غير صحية نفسياً وجسدياً وفكرياً، وهو جيل مهدد بالانحراف والتطرف نتيجة الحرمان والظلم الذي عاشه، ما يجعل من المخيم ليس فقط مأساة إنسانية، بل خطراً استراتيجياً على مستقبل المنطقة.
الأطفال بين الاحتجاز والوصمة
إن احتجاز الأطفال يجب أن يكون الخيار الأخير، وإذا حدث فلا بد أن يكون لأقصر مدة ممكنة، وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الطفل. ولا يجوز بأي حال أن يُحتجز الأطفال بناءً على روابط أسرية أو شكوك بارتباط أحد أفراد العائلة بمجموعات مسلحة، لأن ذلك يُعد عقوبة جماعية تتعارض مع أبسط مبادئ العدالة.
الأطفال في مخيم الهول لا يواجهون وصمة العار التي تلاحقهم فحسب، بل يعيشون أيضاً ظروفاً معيشية قاسية للغاية، حيث الخدمات الأساسية من غذاء وماء ورعاية صحية وتعليم تكاد تكون معدومة أو غير متوفرة في كثير من الحالات. هذا الواقع يضاعف من هشاشتهم النفسية والاجتماعية، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والانحراف.
موقف اليونيسف
في هذا السياق، شددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) على أن الحل لا يكمن في إبقاء الأطفال داخل المخيمات، بل في ضمان عودتهم الآمنة وإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم. وأكدت أن جميع الأطفال في مخيم الهول وفي شمال شرق سوريا لهم الحق في الحماية، والتعليم، والرعاية الصحية، والعيش في بيئة طبيعية بعيداً عن العنف والحرمان. كما أن استمرار احتجازهم في ظروف غير إنسانية يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل، ويهدد بتحويلهم إلى ضحايا دائمين أو أدوات محتملة للتطرف.
مقترحات للحل
يرى خبراء أن الحل يكمن في تقسيم الأطفال إلى فئات تسمح بإعادة تأهيل الأفكار تدريجياً، عبر برامج متكاملة يشارك فيها متخصصون في علم النفس والدين والاجتماع والأمن. هذه البرامج يمكن أن تسهم في تحييد المتطرفين، وإتاحة الفرصة لشريحة أخرى لتطوير مواقف وآراء أكثر اعتدالًا. ويُعتبر الأطفال والأحداث تحديداً الأكثر قابلية للتأثر، ما يجعل إهمالهم تهديداً مباشراً بإنتاج جيل جديد متشرب للعنف والتطرف، وهو ما يحوّل المخيم إلى مصنع محتمل للأزمات المستقبلية.
المخيم كقنبلة موقوتة
المخيم اليوم يمثل قنبلة موقوتة على أكثر من مستوى. فمن الناحية الأمنية، أصبح بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف، حيث جرى تقسيمه إلى قطاعات متناحرة، وانتشر بين بعض القاطنين خطاب متشدد يستغل الأطفال والنساء في عمليات تجنيد سرية. ومن الناحية السياسية، تحول المخيم إلى ورقة ضغط بيد “قسد” والإدارة الذاتية، تُستخدم للتفاوض مع المجتمع الدولي والدول التي ترفض استعادة مواطنيها، ما جعله سلاحاً غير تقليدي في الصراع السياسي والعسكري. ومن الناحية الدولية، فإن استمرار الوضع الحالي يعني أن المخيم قد يتحول إلى مصدر إرهاب جديد، ليس فقط في سوريا، بل في المنطقة والعالم، إذ إن ترك عشرات الآلاف في ظروف غير إنسانية هو وصفة مثالية لانفجار اجتماعي وأمني في المستقبل القريب.
التحدي والفرصة أمام الدولة السورية
أمام هذا الواقع، تقف السلطة السورية أمام تحدٍ تاريخي، لكنه في الوقت نفسه فرصة لإثبات أنها مشروع مختلف عن باقي الأطراف التي تعاملت مع الملف؛ سيما قسد التي مارست عليهم إرهاباً بحجة محاربته فكان ورقة سياسية لا إنسانية تلوح بها لكسب مصالح أكبر.
التحدي اليوم يتمثل في الموازنة بين البعد الأمني والبعد الإنساني، بحيث لا يُترك المخيم ليكون بؤرة إرهاب جديدة، وفي الوقت ذاته لا يُعامل سكانه كأرقام أو عبء أمني فقط فالفرصة تكمن في تقديم رؤية وطنية وإنسانية لمعالجة الملف، عبر تحسين شروط العيش فوراً كخطوة عاجلة، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل الأطفال والنساء، والضغط على الدول المعنية لاستعادة مواطنيها، وبناء خطة أمنية–مجتمعية متوازنة تمنع التطرف وتعيد دمج الأبرياء في المجتمع. إن التعامل مع المخيم بهذه الرؤية سيعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويُظهر أن سوريا قادرة على تحويل مأساة إلى فرصة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي.
ختاماً يمكن القول إن مخيم “الهول” ليس مجرد ملف إنساني، بل قضية وطنية ودولية، وجريمة مكتملة الأركان ارتُكبت بحق آلاف الأبرياء منذ عام 2016م على مرأى ومسمع العالم. إنه جرح مفتوح منذ عام 1991م، وتحوّل بعد عام 2016م إلى قنبلة مجتمعية موقوتة. الفشل في التعامل معه سيُسجَّل كجريمة تاريخية بحق سوريا والعالم، أما النجاح فسيكون خطوة نحو سورية جديدة أكثر عدلاً وكرامة.
إن الدفاع عن حقوق سكان المخيم ليس تعاطفاً مع “داعش”، بل هو دفاع عن إنسانيتنا ومستقبلنا، وتصحيح لخطأ رهيب وقع بحق النساء والأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وُجدوا في المكان الخطأ والزمان الخطأ. إن معالجة هذا الملف بجدية ومسؤولية هي واجب وطني وأخلاقي، وهي أيضاً شرط أساسي لبناء سوريا المستقبل.






