تمثل التفاهمات الأخيرة التي تبلورت بين الحكومة السورية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” انعطافه استراتيجية جوهرية في مسار الأزمة السورية المستمرة منذ سنوات. هذا التطور لا يقتصر كونه مجرد اتفاق إجرائي، بل يمثل تدشيناً لمرحلة جديدة من المقاربات السياسية التي تسعى لتفكيك العقد المستعصية في منطقة شرق الفرات، وتحويلها من ساحة للتجاذبات الإقليمية والدولية إلى منطلق للاستقرار الوطني والتعافي الاقتصادي الشامل.
منطقة الفرات: من التنازع إلى التكامل التنموي
لطالما شكلت منطقة حوض الفرات حجر الزاوية في الأمن القومي السوري، نظراً لثقلها الاستراتيجي وما تكتنزه من ثروات مائية وزراعية ومصادر طاقة حيوية. وعلى مدار العقد الماضي، عانت هذه المنطقة من حالة الاستقطاب الحاد التي أدت إلى استنزاف مواردها وتعطيل دورتها الإنتاجية.
البعد الاستراتيجي التأثير المتوقع للاتفاق
الأمن القومي : توحيد الجهود لضبط الحدود ومنع الاختراقات الأمنية.
الموارد المائية : إدارة مشتركة ومنظمة لسدود الفرات لضمان حصص الري وتوليد الطاقة.
الثروة النفطية : إعادة دمج عوائد الطاقة في الموازنة العامة لدعم العملة الوطنية.
القطاع الزراعي : استعادة الفرات لدوره كـ “سلة غذاء” سورية وتأمين الأمن الغذائي.
الدلالات السياسية والسيادية للاتفاق
يحمل هذا التقارب دلالات سياسية عميقة تشير إلى نضوج في الرؤية الوطنية لدى الأطراف المنخرطة في الحوار، ويمكن تلخيص هذه الدلالات في النقاط التالية:
1. تكريس الحلول الوطنية: يثبت الاتفاق أن الحوار السوري-السوري هو المسار الوحيد القادر على إنتاج حلول مستدامة بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
2. صون وحدة التراب السوري: يقطع هذا التفاهم الطريق أمام أي مشاريع انفصالية أو تقسيمية، مؤكداً على سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها.
3. الواقعية السياسية: يعكس الاتفاق انتقالاً من عقلية الصراع الصفري إلى عقلية المصالح المشتركة واحتواء الأزمات عبر قنوات الحوار المؤسساتي.
الانعكاسات الاقتصادية ومسار التعافي
من الناحية الاقتصادية، يمثل هذا الاتفاق “رئة” جديدة للاقتصاد السوري المنهك. فإعادة دمج اقتصاد المنطقة الشرقية في الدورة الوطنية ستؤدي حتماً إلى:
– تنشيط القطاعات الإنتاجية: عبر تسهيل حركة البضائع والمنتجات الزراعية بين المحافظات.
– مكافحة اقتصاد الظل: تقليص عمليات التهريب والاستغلال التي ازدهرت في ظل غياب سلطة الدولة المركزية.
– تخفيف الأعباء المعيشية: من خلال تحسين إمدادات الطاقة والوقود وتخفيض تكاليف النقل والإنتاج.
البعد الاجتماعي وتعزيز السلم الأهلي
يضع هذا الاتفاق المجتمع المحلي في مناطق الفرات أمام مرحلة جديدة من الأمان الاجتماعي. فعودة مؤسسات الدولة الخدمية (التعليم، الصحة، الإدارة المحلية) ستسهم في:
– إعادة بناء الثقة: ترميم العلاقة بين المواطن والدولة عبر تقديم خدمات ملموسة.
– توفير فرص العمل: إطلاق مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المحلية التي تستوعب الطاقات الشبابية.
– ترسيخ الاستقرار: الحد من مسببات النزوح والهجرة عبر خلق بيئة مستقرة ومحفزة للعيش.
نحو رؤية إدارية متوازنة
يمكن اعتبار هذا الاتفاق نموذجاً أولياً لبناء هيكلية إدارية متوازنة تجمع بين مركزية السيادة الوطنية ومرونة الإدارة المحلية المنضبطة. هذا النموذج يسعى لتحقيق العدالة في توزيع الموارد وضمان مشاركة فاعلة للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها التنموية تحت مظلة الدستور والقانون السوري، مما قد يشكل خارطة طريق لمناطق أخرى في المستقبل.
خاتمة
إن التفاهم بين الحكومة السورية وقسد هو خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح، تفتح نافذة أمل حقيقية لاستعادة الفرات لدوره التاريخي كمصدر للحياة والنماء. ورغم التحديات اللوجستية والسياسية التي قد تبرز في مرحلة التنفيذ، إلا أن الإرادة الوطنية والتركيز على القواسم المشتركة يظلان الضمانة الأساسية لبناء مستقبل سوري موحد ومستقر.






