النزوح السوري.. وجرح الجولان الذي لا يندمل تحت الصقيع
في شمال غرب سوريا، وفي مكانٍ ما تحت خيوط الصقيع، حيث تلامس الثلوج أطراف الخيام المهترئة، يعيش آلاف السوريون حياةً لا تُحتمل. هناك، يتحول البرد من مجرد فصلٍ عابر إلى وجعٍ يومي، ثم يتحول إلى عادة قاسية لجلَد الطفولة بصمت. هناك تقع الكثير من مخيمات النزوح غير الرسمية التي صنفت كمواقع مؤقتة.
ينتشر أكثر من ألف موقع نزوح في ريفي إدلب وحلب بخيام وتجهيزات بسيطة. وتستضيف هذه المواقع آلاف العائلات التي نزحت من مناطق القتال أو لحقت بها أضرار.
مع الأسف هذه المواقع هي عبارة عن تجمعات لخيام تنتشر في الأراضي الزراعية والطرقات لتشكل مخيمات غير نظامية وغير منظمة بإدارة مركزية.
تُظهر آخر إحصاءات وكالات الأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين (UNHCR) في بداية عام 2025 أن أكثر من 1.7 مليون نازح يعيشون في المخيمات شمال غرب سوريا، نحو 800 ألف منهم أطفال. يعيشون في خيام لا تقاوم الرياح، ولا تمنع تسلل المطر، ولا تحمي من رعشة الليل الطويل حين يرتجف الصغار كأوراق الخريف، باحثون عن دفءٍ لن يأتي. هذه الإحصائية تشمل الأشخاص المقيمين داخل مواقع النزوح الرسمية وغير الرسمية (خيام وملاجئ مؤقتة).
الألم الحقيقي يتجلى بأن يكون في العالم من يعيش دافئاً، مطمئناً، ويتعود أن ينسى أن هناك أطفالاً يتجمّدون من القهر قبل البرد. هؤلاء الأطفال ينامون وارتعاشهم يسبق أحلامهم دون أي شيء يدفئ أجسادهم الصغيرة التي لم تعرف من الوطن سوى شادر الخيمة المتهالك. طفولة تُسرق كل يوم، وتُختزل في همّ واحد مفاده النجاة من البرد.
لماذا لا يعودون؟
سؤال يتردد كصدى مُرّ. الأسباب معقدة، لكنها واضحة:
-
- غياب الأمن والاستقرار في قراهم حيث مازالت بعض المحافظات تحت سيطرة قسد.
- غياب البنية التحتية: قرى بكاملها دمرتها الحرب، والمدارس والمستشفيات غير قادرة على استقبال السكان.
- دور الصراع المتعدد الأطراف: تبقى العديد من القرى والبلدات مدمرة أو غير صالحة للسكن، فيما تتداخل المصالح وتعيق الحلول الدائمة.
- الفقر المدقع: حتى لو وجد البيت قائماً، لا يوجد مال لإعادة بناء الحياة فيه.
- الخوف من المستقبل: سنوات طويلة من التشريد جعلت من المخيم «واقعاً دائماً» لأطفال ولدوا تحت الخيام.
مأساة مُضاعفة: أبناء الجولان برودة التاريخ الذي يعيد نفسه، وقسوة الجغرافيا التي ترفض أن تحتضنهم.
هناك ألمٌ لا تكفيه خيمة، ولا يوصله دفءٌ مؤقت. هم ليسوا أرقاماً في إحصاءات النزوح الحديث فحسب، هم حَمَلة جرح تاريخي ممتد. إنهم أبناء الجولان السوري، وأبناء الجنوب، الذين حملتهم الحياة على أكتاف النزوح مرتين: الأولى حين اقتلعوا من جذورهم قبل خمسة عقود وأكثر، والثانية حين اقتُلعوا مرة أخرى من ملاذهم المؤقت بفعل زلزال الحرب الحديثة.
يحمل هؤلاء في عيونهم ذاكرة مزدوجة: ذاكرة أرضٍ رأوها فقط في حكايا الأجداد، وذاكرة ترحالٍ قسري طويل بحثاً عن بقعة أمان. جيل كامل وُلد في الشتات، وكبر على حلم العودة إلى أرض لم يطأها، ثم ها هو يُجبر على الهرب مرة أخرى، حاملاً معه جرح الأمس إلى خيمة اليوم. ألمهم ليس مجرد برد الشتاء الذي يخترق الخيم.. إنه برودة الغربة المزمنة وقسوة أن تكون نازحاً أو لاجئاً حتى بين اللاجئين.
إنهم النموذج الأكثر قسوة لاستمرارية المأساة السورية:
تاريخ من التشريد لا ينتهي، وجغرافيا ترفض أن تحتضن. عندما يرتجف طفل من الجولان في خيمة بشمال سوريا، فإنه لا يرتجف من صقيع اللحظة فحسب، وإنما يرتجف من صقيع ذاكرة جماعية ممتدة من شعور بأن وطنه قد تخلى عنه مرتين: مرة حين سلبه الأرض، ومرة حين لم يمنحه سقفاً.
هؤلاء يحتاجون إلى اعتراف بمأساتهم المُركبة قبل التعاطف الموسمي، ويحتاجون إلى حل حقيقي يرى في نزوحهم الأخير فرصة لتعويضهم عن جزء من الظلم التاريخي الذي تعرضوا له. كرامتهم لا تُسترد ببطانية، تُسترد فقط بإنهاء حالة التشريد المزمنة التي حولتهم إلى ضحايا دائمين في سجل النكبات السورية.
هل هناك حل؟
نعم.. ولكن! يتطلب أولاً إرادة تنظيمية و يحتاج إلى نظرة ترى في كل إنسان وطناً يستحق الحماية.
في كل محافظة سورية تقف عشرات المباني الحكومية شبه الفارغة، والصالات الرياضية الواسعة، والأراضي الشاسعة غير المستغلة، والمخازن الكبيرة. هذه المساحات المغلقة ملك للشعب، وأولى مَنْ يستحقها هم أبناؤه الأكثر معاناة. لماذا لا تُحوَّل إلى ملاجئ منظمة فوراً؟ لماذا لا نستورد أو نصنع وحدات سكنية مسبقة الصنع، مثل تلك التي استخدمت في استضافة الجماهير خلال بطولة كأس العالم؟ بيوت متنقلة لكنها كريمة، تحوي غرفة نوم وصحية ومطبخاً بسيطاً، وتوفر الحد الأدنى من الخصوصية والدفء.
المقترح العملي هو إنشاء مخيمات مؤقتة في كل محافظة ولكن لائقة. مخيم في حمص لأهل حمص، وفي حلب لأهل حلب، وفي دير الزور لأهلها. هذا ليس تقسيماً، وإنما هو إعادة ربط الإنسان بجذوره الجغرافية والاجتماعية، وتخفيف صدمة الغربة، وتسهيل عمليات العودة النهائية حين تسمح الظروف. وتكون إدارة هذه المخيمات محلية، بمشاركة أبناء المحافظة أنفسهم، لضمان الكفاءة والشعور بالمسؤولية الجماعية.
أما التمويل، فهو اختبار حقيقي للوحدة الوطنية. لتقم الحكومة بحملة تبرعات وطنية موحدة، على غرار الحملات التي شهدتها سوريا في محن سابقة، ولكن هذه المرة يكون هدفها واضحاً وشفافاً: «سقف كريم لكل نازح». تُفتح الحسابات تحت رقابة مدنية شعبية ودولية، ويُعلن عن كل مبلغ يُجمع، وتُخصص المبالغ لشراء أو صنع الوحدات السكنية وتجهيز البنى التحتية للمخيمات التي سوف تُبنى. عندما يتبرع الحلبي لإنشاء وحدة سكنية للنازح الحلبي، ويدفع ابن دمشق ثمن وسيلة تدفئة لعائلة من درعا، فإننا لا نقتسم الثمن فحسب، بل نعيد نسج خيوط الوطن الممزقة.
إذن الحل موجود: إنه في المباني الفارغة التي تنتظر قراراً شجاعاً، وفي التكنولوجيا المتاحة لتوفير مأوى لائق وفي جيوب السوريين الذين ما زالوا يؤمنون بأن وطنهم واحد. المسألة مسألة إرادة.. وإرادة الشعب حين تتجه نحو الخير، قادرة على تحريك الجبال، فكيف لا تقدر على إسكان أبنائه تحت سقف يحميهم من البرد والذل؟
وفي الختام، تبقى الخيمة شاهداً صامتاً على إنسانيتنا التي تتجمد مع حلول كل شتاء. فهل سنستمر كمجتمع في تقبل مشهد الطفل المرتجف كجزء من واقعنا؟






