أعداد دروز الجولان بين الوثيقة والادعاء
تفكيك الرواية المضلِّلة منذ الاحتلال حتى اليوم
منذ احتلال إسرائيل لهضبة الجولان في حزيران/يونيو 1967، لم تتوقف محاولات إعادة إنتاج سرديات مشوَّهة حول الواقع الديمغرافي للمنطقة، ولا سيما ما يتعلق بأعداد السكان الدروز الذين بقوا في الجولان بعد الحرب. وتذهب بعض هذه الادعاءات إلى تضخيم الأرقام أو تقديمها خارج سياقها التاريخي، في محاولة لإضفاء شرعية لاحقة على وقائع سياسية وأمنية فرضها الاحتلال بالقوة، ثم عمل على تثبيتها عبر الزمن.
غير أن العودة إلى الوثائق الرسمية، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو التقديرات الاعتباطية، تضع هذه الادعاءات أمام اختبار الوقائع الصلبة. واليوم، وبين أيدينا وثيقة صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أُفرج عنها ضمن الأرشيف الرسمي للوكالة، تمثّل مرجعًا توثيقيًا بالغ الأهمية في توصيف المشهد الديمغرافي للجولان بعد الاحتلال مباشرة، وتنسف كثيرًا من الروايات التي جرى تداولها على مدى عقود.
الجولان قبل 1967: مجتمع كامل أُفرغ بالقوة
قبل حرب حزيران 1967، كان الجولان السوري يضم أكثر من 130 قرية ومزرعة مأهولة، يعيش فيها عشرات الآلاف من السوريين، من مختلف الانتماءات الدينية والاجتماعية. وقد شكّل هذا النسيج مجتمعًا متكاملًا، مرتبطًا إداريًا واقتصاديًا ببقية المحافظات السورية، ولا سيما دمشق وريفها.
غير أن نتائج الحرب أحدثت تغييرًا ديمغرافيًا جذريًا، تمثّل في نزوح أو تهجير الغالبية الساحقة من السكان السوريين، وتدمير أو إخلاء معظم القرى. ولم يبقَ مأهولًا بعد انتهاء العمليات العسكرية سوى جزء محدود من شمال الهضبة، في واحدة من أوسع عمليات الإفراغ السكاني التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث.
الوثيقة الأمريكية: أرقام لا تقبل التأويل
تشير الوثيقة الاستخباراتية الأمريكية إلى أن عدد السكان السوريين الذين بقوا في الجولان بعد الاحتلال قُدّر بحوالي 6,400 نسمة فقط. وتوضح الوثيقة، التي استندت إلى إحصاءات إسرائيلية أُجريت بعد الحرب مباشرة، أن الغالبية الساحقة من هؤلاء كانوا من الدروز المقيمين في خمس قرى محددة هي: مجدل شمس، مسعدة، بقعاتا، شيتا، وعين قنية، إضافة إلى عدد محدود من العلويين في قرية الغجر.
تكتسب هذه الوثيقة أهميتها من كونها صادرة عن جهة استخباراتية أمريكية، لا عن مصادر محلية أو أطراف منخرطة مباشرة في الصراع، ما يمنحها وزنًا توثيقيًا عاليًا، ويجعلها مرجعًا معتمدًا في توصيف الواقع الديمغرافي للجولان في مرحلة ما بعد الاحتلال.
كما أنها تُظهر بوضوح حجم التراجع السكاني مقارنة بما كان عليه الجولان قبل عام 1967، حين كان عدد سكانه يُقدَّر بعشرات الآلاف.
من البقاء إلى الاندماج: تحوّلات ما بعد الاحتلال
خضع الدروز الذين بقوا في الجولان لنظام الحكم العسكري الإسرائيلي في السنوات الأولى، ثم انتقلوا لاحقًا إلى إدارة مدنية، مع بقاء وضعهم القانوني معلقًا لسنوات. ومع نهاية السبعينيات، ومع شروع إسرائيل في التمهيد لضم الجولان رسميًا، بدأت داخل المجتمع الدرزي نقاشات عميقة حول المستقبل السياسي والقانوني للمنطقة وسكانها.
في هذا السياق، برزت مواقف سياسية علنية تدعو إلى القبول بسلطة الأمر الواقع، بل والاندماج فيها. فقد أوردت تقارير صحفية غربية في عام 1980 أن
الشيخ سليمان كنج، أحد الزعماء الدروز آنذاك، تقدّم بطلب يدعو إلى ضم الجولان إلى دولة إسرائيل ومنح سكانه من الدروز المواطنة الإسرائيلية الكاملة
في طرح لم يكن معزولًا عن مزاج شريحة معتبرة داخل المجتمع، رأت في هذا الخيار مخرجًا من حالة الغموض القانوني وضمانًا لحقوق مدنية ضمن واقع الاحتلال المستمر.
ولم يقتصر هذا المسار على القبول القانوني، بل تجلّى عمليًا في اندماج أعداد كبيرة من الدروز في مؤسسات الدولة الإسرائيلية، بما في ذلك الجيش وأجهزة الدولة المختلفة، في انتقال واضح من موقع السكان الخاضعين للاحتلال إلى موقع الشراكة الوظيفية معه.
في المقابل: هوية صامدة لا يمكن إنكارها
في المقابل، لا يمكن – ولا يجوز – إنكار وجود تيار درزي واسع تمسّك بالهوية السورية ورفض الجنسية الإسرائيلية، واعتبر القبول بها مساسًا بالانتماء الوطني. وقد تجسّد هذا الموقف بوضوح بعد إعلان إسرائيل ضم الجولان رسميًا عام 1981، حين شهدت القرى الدرزية إضرابًا شاملًا ورفضًا علنيًا للجنسية الإسرائيلية، في واحدة من أبرز حالات العصيان المدني في الأراضي المحتلة.
هذا الانقسام الداخلي يعكس حقيقة أساسية: المجتمع الدرزي في الجولان لم يكن يومًا كتلة واحدة متجانسة في موقفها من الاحتلال، بل عرف مسارات متباينة، بين من اختار الاندماج مع سلطة الأمر الواقع، ومن بقي متمسكًا بالهوية السورية رغم كلفة ذلك.
من الجولان إلى السويداء: تكرار النموذج
اليوم، ومع ما تشهده محافظة السويداء من دعوات إلى “حماية إسرائيلية” أو مشاريع انفصالية تحت مسميات دينية أو مناطقية، تعود تجربة الجولان لتفرض نفسها كمرآة تحذيرية. فهذه الطروحات لا تنشأ في فراغ، بل تستند إلى نموذج سبق اختباره: تحويل الخصوصية الدينية إلى مدخل سياسي، وتقديم الارتباط بالاحتلال بوصفه ضمانة للأمن أو النفوذ.
خلاصة القول
إن الادعاءات التي تحاول تضخيم أعداد الدروز في الجولان قبل الاحتلال، أو تقديم صورة متجانسة عن موقفهم، تصطدم اليوم بوثيقة رسمية دامغة، وبوقائع تاريخية لا يمكن تجاوزها. الحقيقة، كما تثبتها الوثائق والتجربة، أكثر تعقيدًا: مجتمع صغير نسبيًا بقي بعد الاحتلال،منهم من اندمج بوعي مع سلطة الأمر الواقع، ومنهم من بقي وفيًا لهويته السورية. وبين هذين المسارين، تتكشف اليوم خطورة إعادة إنتاج النموذج ذاته في أماكن أخرى من الجغرافيا السورية، تحت عناوين مختلفة، لكن بالنتائج ذاتها.
- أحمد المحمود - محمد جابر







