من الطبيعي أن تُنتج نكبة بهذا الحجم وهي تُعدّ أكبر عملية تهجير قسري في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي تراثاً واسعاً من الموسيقى والقصص والحكايات والروايات الشعبية.
تراثٌ تشكّل خارج الأطر الرسمية للإنتاج الثقافي السوري، التي ارتبطت، إلى حدٍّ كبير، برواية السلطة وحدها، وأقصت أصوات المهجّرين وتجاربهم الحيّة.
ورغم مرور أكثر من ثمانية وخمسين عاماً على نكبة الجولان، ما تزال القرى المسلوبة حاضرة في ذاكرة السوريين والسوريات الذين وُلدوا وعاشوا فيها، وفي وجدان أبنائهم وأحفادهم.
لم تتحوّل هذه القرى إلى ذكرى بعيدة، بل بقيت علاقة مفتوحة، وحضوراً يومياً في اللغة والأغنية والحنين.
عن هذه القرى، وعن المزارع التي فُقدت بالقوة، عبّر الجولانيون عبر أغانٍ تراثية كثيرة، حملت مشاعر الشوق والحرمان، وأسهمت في حماية الذاكرة من التآكل. هذه الأغاني شكّلت مساحة للتعبير عن تجربة التهجير كما عايشها الناس، بعيداً عن الخطاب السياسي، وبقرب شديد من تفاصيل الحياة التي انقطعت فجأة.
ليست كل الأغاني متشابهة في أثرها. هناك أغانٍ تعبر سريعاً، وأخرى تستقر في الوجدان وترافق الناس عبر السنوات.
“بكرا بنعاود لا تبكي يا عيني” واحدة من تلك الأغاني التي بقيت حيّة، وانتقلت من جيل إلى جيل، بوصفها صوتاً يختصر تجربة الغياب الطويل.
رافقت هذه الأغنية الجولانيين في سنوات التهجير، وردّدت جملة بسيطة ظلّت قادرة على حمل المعنى: لا تبكي، سنعود.
تبدأ الأغنية بموالٍ هادئ، أقرب إلى البوح الداخلي، وتستحضر تفاصيل يومية تصنع صورة المكان:
مشتاق أمشي اتدعثر بين الكدر
مشتاق أقعد ارتكي حدّ الحجر
مشتاق لزخّ المطر
مشتاق لتراب الوطن
للدحنون وللزيتون
لا يتحدّث هذا الموال عن وطن بوصفه فكرة مجرّدة، بل عن عناصر ملموسة عاشها الناس: حجر، مطر، تراب، نبات. تفاصيل شكّلت صورة الجولان في الذاكرة، وجعلت الأغنية قادرة على الاستمرار، بهدوئها وابتعادها عن الشعارات.
بعد الموال، يأتي الوعد:
بكرا بنعاود لا تبكي يا عيني
يا بعد عين أمي وأبوي وعيني
طال الفراق وكل مين راح بديرة
يا دموع عيني عَ خدّي غزيرة
هذا الوعد تحوّل مع الزمن إلى حالة انتظار جماعية. انتظار طويل عاشه الجولانيون وهم يُهمَّشون، وتُنسى قصتهم، ويُشار إليهم بتسميات لا تعبّر عن واقعهم. لم يكونوا نازحين، بل مهجّرين قسراً، واقتلاعهم لم يكن حدثاً عابراً.
ظلّوا اذكرونا ما تبكوا علينا
نحنا وياكم والقمر حلّينا
تؤكّد هذه الكلمات على استمرار العلاقة رغم التشتّت والمسافات، وتطلب الذكر لا الشفقة. وحين تقول الأغنية “لا تبكي يا عيني”، يبدو الخطاب موجّهاً إلى الجولان نفسه، دعوة للصبر، لا للنسيان. الانتظار هنا يتحوّل إلى تمسّك، والعودة تتحوّل إلى علاقة حيّة.
وحياة من جرّ الكحل بالعيني
عنك يا الجولان ما رح يبعدوني
أمي وأبويا مع كل القرابة
راجعين إليكي يا جولان يا عيني
قد لا يكون موعد العودة معروفاً، لكن الغناء بهذه الكلمات حافظ على الجولان حيّاً في الذاكرة، ونقل العلاقة به من جيل إلى آخر. هكذا بقيت القرى بأسمائها، والأرض بتفاصيلها، والناس بحكاياتهم.
بعد أكثر من نصف قرن على نكبة الجولان، ما تزال هذه الأغاني تحمي الذاكرة من الغياب، وتؤكّد أن الاقتلاع لم يُنهِ العلاقة، وأن الجولان، ما دام حاضراً في الصوت، لم يتحوّل إلى ماضٍ مغلق.






