مظاهرات الساحل السوري

في قراءة معمقة لما يشهده الساحل السوري اليوم، تبرز ملامح استراتيجية حكومية حازمة تستقرئ ما وراء الدعوات المشبوهة للتظاهر التي يروج لها “غزال غزال”. فالمشهد في اللاذقية وطرطوس ليس مجرد حراك شعبي، بل هو معركة يقودها “عقل الدولة” لإجهاض محاولة مكشوفة لجرّ البلاد نحو “الفوضى المنظمة” كطوق نجاة لمن يخشون ساعة الحساب.

تستقرئ الدولة السورية خطاب غزال غزال والدعوات المرافقة له ليس كحراك حقوقي، بل “عملية هروب إلى الأمام”. الرؤية الحكومية واضحة هنا: إن مرحلة الاستقرار التي بدأت سوريا تعيشها تعني بالضرورة البدء بمسار المحاسبة لكل من تلطخت يداه بالدماء أو تورط في جرائم حرب خلال العقدين الماضيين.

ومن هنا، ترى الدولة أن تحريك الشارع طائفياً هو محاولة بائسة من “مجرمي الحرب” وفلول النظام السابق للاحتماء خلف فوضى جديدة؛ ففي الغوغاء والصدام المذهبي، تضيع ملفات التحقيق ويصبح القانون ثانوياً، وهو بالضبط ما يسعى إليه المحرضون للنجاة بأفعالهم من يد العدالة الدولية والمحلية.

يبرز في الأفق الميداني اليوم خطر داكن تستقرئه الدولة بحذر شديد، وهو سيناريو “شارع مقابل شارع”. ففي مقابل التجمعات التي استجابت لنداءات غزال غزال، بدأت تظهر تحركات عفوية لمواطنين يرفضون الانجرار للفتنة ويتمسكون بوحدة الدولة، مما يضع المنطقة على حافة صدام أهلي مباشر.

تدرك الحكومة أن وصول الأمور إلى حد المواجهة بين “شارع معارض” و”شارع مؤيد” داخل المدن الساحلية هو “نقطة اللاعودة”. هذا التماس المباشر هو البيئة الخصبة التي ينتظرها مجرمو الحرب لإشعال شرارة الحرب الأهلية، حيث يختلط الحابل بالنابل وتتحول المدن إلى ساحات تصفية حسابات، مما يجعل “المحاسبة القانونية” أمراً مستحيلاً وسط أزيز الرصاص. لذا، فإن الإجراءات الأمنية تهدف بالدرجة الأولى للفصل بين العواطف المتناقضة ومنع الانفجار الشعبي الداخلي.

عند موازنة سلبيات وإيجابيات ضبط التظاهرات، يميل الاستقراء الحكومي إلى “الحزم الاستباقي”؛ فمنع الانفلات في الساحل هو تأمين لمناخ الاستقرار اللازم لعمل المؤسسات القضائية. فالدولة تدرك أن “الفوضى هي الحاضنة المثالية للإفلات من العقاب”، وضبط الشارع هو قطع للطريق على من يريدون تحويل المناطق الآمنة إلى “كانتونات طائفية” تحمي المطلوبين للعدالة.

إن التشديد الأمني في ساحات الساحل اليوم هو رسالة من دمشق بأن “زمن الإفلات من العقاب قد ولى”. الدولة تستقرئ أن الاستقرار هو العدو الأول لمجرمي الحرب، ولذلك هي متمسكة بمنع انزلاق الشارع نحو صدام “الأخ ضد أخيه”، لإيمانها بأن العدالة لا تتحقق في غبار المعارك الأهلية، بل في ظل دولة مؤسسات قوية وموحدة.

تأسيساً على ما سبق، يظل الرهان الحكومي قائماً على أن “القبضة السيادية” هي الضمانة الوحيدة لمنع غزال غزال ومن خلفه من تحويل الساحل إلى “غابة” ينجو فيها القاتل بدم الضحية تحت ذريعة “المظلومية الطائفية”.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top