بين دعاة الانفصال، ومروّجي الإدارة الذاتية، ومحللين يبيعون الوهم عبر شاشات التلفزة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تدفع سوريا ثمن خطاب فاسد لا يقرأ الواقع ولا يحترم الدم.
بصراحة مطلقة، في سوريا اليوم لم نعد أمام خلاف في وجهات النظر، نحن أمام كارثة خطاب. هناك من يخرج علنا ليطالب بالانفصال، وهناك من يُلمع التقسيم بعبارات براقة مثل «إدارة ذاتية» أو «خصوصية مناطقية»، وهناك من يتفرغ للتطبيل والتحليل، وكأن البلد مختبر نظري لا ناس فيه ولا دم.
والأخطر؟ أن بعض هؤلاء يُقدمون كـ«محللين استراتيجيين»، بينما تحليلاتهم لا تستند إلى معطيات، ولا لتاريخ، ولا لجغرافيا، ولا حتى إلى أدنى حد من المنطق.
لهذا: نعم، تحليل البول أدق من تحليلهم؛ على الأقل هو يستند إلى قيم ونِسب واضحة، لا إلى أهواء سياسية ورغبات انفصالية مزينة بلغة معسولة.
المشكلة ليست في الوقائع.. وإنما في الرواية
لو أردنا ان نتكلم بصدق، سوريا بعد 2025 ليست بلدا «يتجه» إلى التقسيم فقط، إنما بلد يُدفَع به نحو خطاب منظم ومتدرج وخطير. يعني الخطاب أولا، ثم الفوضى، ثم السلاح.. هذه ليست نظرية، هذا ما نراه الآن. فكل جماعة تريد أن تبدأ الحكاية من حيث يناسبها.
هذا يقول: المركز فشل وذاك يردّ: المناطق مهمّشة، والثالث يضيف: الحل بالخصوصية والرابع ينشر خطابه بفكرة «إقليم يحميكم» وهو نفسه الذي سيتركهم عند أول صفقة كما فعلها من قبل. لكن لا أحد يقول الجملة كاملة: تفكيك الدولة لا يُنتج إلا دويلات هشّة تتقاتل بلا كرامة.
السويداء: بين المجتمع والدولة.. من تصدر المشهد؟
من الخطأ والتزوير، التعامل مع السويداء ككتلة واحدة. السويداء مجتمع متنوع، فيه وطنيون، وفيه متخوفون، وفيه من يريد الدولة، وفيه من اختطف الصوت العام وتصدر المشهد. جزء من المحافظة اليوم واقع فعلياً تحت نفوذ الزعيم الطائفي حكمت الهجري، وهو لا يخفي خطابه، ولا يموه مطالبه. الرجل جزء واضح من تيار يطالب بالانفصال أو بما يقود إليه. وهنا لا بد من قولها بوضوح وبصوت واضح:
الطائفية حين تُزين بعباءة الحماية تتحوّل إلى مشروع تفكيك وتنازل بواح عن المواطنة. فالدولة ليست عدوا للسويداء، لكن من يصادر قرارها المحلي باسم «الخصوصية» هو العدو الحقيقي.
القنيطرة: محافظة منسية.. أم متروكة عمداً؟
في القنيطرة، المشكلة ليست انفصالاً معلناً ولا نية في التقسيم، بل إهمالاً فاضحاً. محافظة كاملة، وحساسيتها الجغرافية عالية. سكانها أصلا متفرّقون بين الداخل والخارج، تحتاج إدارة حاضرة، ومحافظاً يعرف الأرض ويعيش تفاصيلها.
فما الذي يحدث؟ محافظ لم يزر المحافظة منذ تعيينه، وهو في الوقت نفسه يؤدي مهام قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق. يعني عملياً: محافظة بلا رأس. وهنا السؤال مشروع ومحرج:
إذا كانت القنيطرة لا تستحق محافظاً متفرغاً، فلماذا نطالب أهلها بالانتماء الكامل؟ التهميش ليس أقل خطراً من الانفصال، فهو طريقه الهادئ الى الهاوية.
قسد: من لعبة الوقت إلى قصف حلب
والآن، إلى الحدث الذي يعرّي كل هذا الخطاب دفعة واحدة. قبل أيام، بدأت قسد بقصف أحياء في مدينة حلب. نعم هي نفس الجهة التي أمضت الأشهر الماضية تتحدث عن «لاندماج مع الدولة»، و«الحل السياسي»، و«الشراكة». إذن: ما الذي تغيّر؟
لم يتغيّر شيء.. سوى أن لعبة الوقت انتهت. قسد لم تكن تفاوض، كانت تشتري وقتاً ويبدو أنها غير معنية بتطبيق الاتفاق مع الحكومة و تبحث عن تثبيت أمر واقع تتهم به الحكومة بعدم الالتزام بالاتفاق. وعندما شعرت أن المركز بدأ يستعيد زمام المبادرة، عادت إلى لغتها الأصلية: السلاح.
وهنا يسقط القناع عن كل محلل كان يبرّر، ويهوّن، ويشرح لنا أن «قسد قد تغيّرت». فالنتيجة الآن واضحة في شوارع حلب، لا في الاستوديوهات ولا على منصات التنظير.
واتضح أن المشكلة ليست في الجنوب أو الشمال.. المشكلة تكمن في وهم التقسيم.
من درعا إلى السويداء، ومن القنيطرة إلى حلب، الخيط واحد:
كل خطاب لا يرى سوريا كدولة واحدة، سينتهي إلى اقتتال. فالتقسيم لا يحل المظلومية، لأنه سوف يقوم بتوزيعها. والإدارة الذاتية لن تحمي المجتمع لأنها سوف تعزله. والتحليل الفارغ لن ينقذ سوريا، لأنه يضلل ناسها. وبالتالي الانفصال يقودنا الى عدم الاستقرار.
ختاماً، النقد ليس خيانة والسكوت ليس من الحكمة
هذا المقال ليس مع السلطة، ولا ضدها. هو مع الدولة، ومع فكرة أن سوريا لا تُبنى بالمجاملة، ولا بالتطبيل، ولا بالخوف من تسمية الأشياء بأسمائها. مهما بلغت الخلافات، لا طريق لسوريا إلا أن يصمت السلاح، ويعلو صوت الدولة، ويبدأ العمل.
نعم، ننتقد المركز حين يخطئ. ونفضح الآخر حين ينحرف. و واجبنا أن نحذّر من كل مشروع، مهما تلون، لأنه سوف يقود إلى التفكيك. اليوم سوريا لا تحتاج إلى محللين أكثر.. وانما تحتاج صدقاً في النوايا أكثر، وشجاعة أكثر، ودولة تُدار بعقل لا بغرائز.
وما عدا ذلك؟ “تحليل بول.”






