درعا في احتفالية عيد النصر والتحرير صور5

تمر السنة الأولى على انتصار الثورة، وكأن البلد يلتقط أول نفس نقي له منذ نصف قرن. سوريا التي كانت مخنوقة تحت الركام.. بدأت تفتح شبابيكها وتشتم رائحة الحياة. عام كامل مر على لحظة سقط فيها الصنم، وسقط معه كل الذي حاول النظام البائد أن يزرعه في وجدان السوريين على أنه «القائد الضرورة» و«حامي العرض والديار» و«الأسد الذي لا يُهزم».

عام منذ أن انفضحت الحكاية كلها، واتضح أن «الديك» الذي كان يملأ الدنيا صراخًا لم يكن إلا دجاجة مذعورة ترتجف كلما سمعت وقع خطوات الناس وهم يقتربون من بوابة الحرية.

لكن ما زال هناك عمل شاق وصعب: وهو إزالة البقع العنيدة من الأوهام، والتخلص من الشعارات البالية، وفضح الحكايات المصنوعة في دهاليز أجهزة الأمن والمخابرات، والخطابات التي حاولت غسل عقول الناس لعقود. وتنظيف البلد من فكر المزرعة الشخصية السائد وما خلّفه من قرف وفساد سياسي وإداري، والذي لخّصه نزار قباني قبل عقود بقولِه:

«هـذي البـلاد كلهـا مزرعـةٌ شخصيـةٌ لعنـتره»

اليوم نعرف تمامًا ماذا قصد. فـ«عنترة» الذي كان يسخر منه نزار لم يكن فارسًا أسطوريًا.. بل كان نسخة مبكرة من ذلك الكائن الذي حكم سوريا، ورفع يده مثل البطل الصوري في كرتون «شون ذا شيب»، بينما لم يكن يملك حتى جرأة مواجهة ظل زوجته شريكة منظومة الفساد.

واليوم بعد سقوطه، لم يعد يصلح أن نسميه «عنترة». يبدو الاسم كبيرًا عليه. لنسَمِّه بما يليق بتاريخه التافه: «جَلْهَمَة*»، الكائن الذي ادعى البطولة وهو يرتجف، لبس الكِلْسون فوق السروال وصوّروه بطل تطوير وإصلاح، وهو لم يحرر سوى جيبه العائلي وجيوب من لف لفيفه.

جَلْهَمَة لم يسقط وحده.. سقطت صوره، وتماثيله، وشعاراته، وأصنامه، وأناشيده، وأغاني «بالروح بالدم» التي كانت تُفرض على أطفال المدارس. سقط معه زمن كان مطلوبًا فيه من المواطن أن يخاف ولا يفكر. اليوم، بعد عام من سقوطه المذل.. كأن البلد كان محبوسًا في غرفة مظلمة، وفجأة فُتح الباب، واندفع الضوء والأمل، واندفع الناس معه.

مرت سنة، وسقط فيها شيء أكبر من نظام.. سقطت خرافة، سقطت تلك الدجاجة التي رفعت صوتها طوال الستين سنة الماضية لدرجة أننا نسينا أن صوتها أصلًا مجرد نقنقة.

اليوم، نستعيد رائحة البلاد وهي تحاول تنظيف نفسها من الوسخ الذي تركه النظام ومن مَن روّجت لنفسها أنها «ياسمينة الشام»، ومن أسياد المال، ذلك الوسخ الذي تراكم طبقة فوق طبقة حتى صرنا نراه جزءًا من الجدران. لتبدأ عملية التنظيف الحقيقية: تنظيف العقول من الخوف، والمؤسسات من الفساد، والشوارع من الفرقة. وتنظيف الذاكرة من زمن كامل عاش على الأكاذيب.

لكن وسط كل هذا دعونا ألا ننسَ أن هناك مهمة ضخمة لا يمكن تجاهلها: وهي تحقيق العدالة الانتقالية لكل من قتل وفتك بالدم السوري. ليس انتقامًا ولا فوضى، بل ليعرف كل مجرم أن زمن «دبِّر حالك وامشِ» قد انتهى.

السوريون يريدون شيئًا واحدًا: عدالة وطنية محترمة تفرّق بين من أخطأ ومن أجرم، وبين من جاع فقبل وظيفة مهينة، وبين من تحول إلى وحش.

عدالة تفتح الملفات، ولا تطويها لأنها «مزعجة سياسيًا».. عدالة تسمح للبلد أن ينهض، لا أن يدخل في ثأر لا ينتهي. الناس اليوم يريدون محاكم بشفافية كاملة، تُحاسب القاتل والناهب والجلاد، وتحفظ حقوق الضحايا، وتمنع انهيار السلم الأهلي.

وفي الوقت نفسه، يجب أن نحافظ على ما هو أهم من كل شيء: وحدة سوريا. هذه البلاد لم تنتصر لتتقسم، ولم تتحرر لتتحول إلى كانتونات طائفية مؤدلجة مدارة من جنرال أو شيخ يبحث عن حماية خارجية. لن نسمح بأن تُسرق لحظة النصر، ولا بأن تقتحمها مشاريع جيران أو مخابرات دولية.

نريد وطنًا جامعًا لأطفالنا وأولادنا الذين ذاقوا علقم العنصرية والتشريد والغربة والنزوح.. لا ساحةً لتصفية الحسابات.

في الختام: هذه ليست سنة الاحتفال فقط، إنها سنة الغسيل الكبير.

غسيل الروح والذاكرة والشارع والعدالة والأمل. غسيل ممن يريد لهذه البلاد أن تتمزق وتُقسّم مستغلًا ضعف الدولة الحالي، ويزيد الضغوط عليها ملتحيًا بلحية العار ليعلن دويلته من تحت جناح عدوّ كل السوريين. وغسيل ممن يبحث عن حكم لا مركزي بحجة أنه أقلية سوف تُباد، وهو أداة خلقها واستخدمها نظام الأسد الفاطس لتكون شوكة في حلق كل من يعاديه.. وغسيل من دول تتدخل، وقوى تتلاعب، ورعاة حرب يبحثون عن حصصهم، وحدود تُرسَم.

سنة نثبت فيها أننا لم ننتصر على «جَلْهَمَة»، أعتى نظام فساد عرفته البشرية فقط، بل انتصرنا على الخوف. من عاش الثورة، وكل من رأى الدم، وكل من تذوق الخوف، وكل من دفن شهيدًا، وكل من فقد عزيزًا، وكل سوري.. يعرف أن سوريا لا يمكن أن تُبنى إلا بوحدة وطنية صلبة.

لكن الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع العالم تجاهلها هي:

سوريا لن تُبنى ولن تُحمى إلا بأهلها، ولن تنهض إلا بوحدة أبنائها. فلا مظلات خارجية تدوم، ولا وسطاء مخلصين، ولا وصايا من أحد.

(*جَلْهَمَة: دلالة على (الغليظ الثقيل)، وفيه معنى البلادة).

 

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top