ليس يوماً عادياً أن يستيقظ السوريون على صوت التكبيرات خارج عيدي الفطر والأضحى. إنه عيد وطني جامع، أعلن فيه السوريون كلمة واحدة ارتفعت فوق كل الجراح: الله أكبر على الظلم، وعلى الطغيان، وعلى عقود القمع التي مزّقت البلاد وهجّرت أهلها.
اليوم، ترتفع تكبيرات النصر في كل أرجاء سوريا، لتؤكد أن لا ظلم يدوم، وأن صوت الشعوب أقوى من سوط جلاديها مهما تجبّروا. هذا اليوم ليس احتفالاً عادياً؛ إنه إعلان انتصار مدن قاومت وقدّمت الشهداء واحدة تلو الأخرى… حماة، حمص، درعا، القنيطرة، حلب ودمشق وسائر المحافظات التي واجهت أعتى حقبة سوداء مرّت في تاريخ سوريا الحديث.
الثامن من ديسمبر ليس مجرد تاريخ في الروزنامة؛ إنه يوم انتصار الحق على الباطل، يوم رباني بامتياز. يوم فُتحت فيه السجون وانكشفت الفواجع التي عاشها السوريون في صيدنايا والأفرع الأمنية، حيث تحوّل الإنسان إلى رقم، والوطن إلى مقابر جماعية. ما شاهده السوريون والعالم لم يكن حادثة عابرة، بل شهادة دامغة على حجم المأساة.
ورغم ذلك، خرج الشعب – الذي قُصف بالبراميل والكيماوي، ومُزّق جغرافياً ونُفي قسراً – إلى الساحات مرة أخرى، لا ليصرخ من الألم، بل ليؤكد إرادته في بناء سوريا الجديدة: سوريا الاقتصاد، والتعليم، والعدالة، والحرية… لا “سوريا الأسد”.
هذا اليوم يحمل رسالة واضحة لكل من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، سواء في السويداء ” الانفصاليون” أو “قسد” أو فلول النظام: الشعب قال كلمته… ولن يعود إلى زمن الخوف.
إن ما كشفته التسريبات الأخيرة عن رأس النظام ومستشارته يوضح حجم الانهيار الأخلاقي والسياسي الذي حكم البلاد لعقود؛ فالمعتوه الذي دمّر سوريا لا يأبه حتى لمؤيديه، فكيف لشعب كامل؟ الثورة عليه كان بداية الخلاص، واليوم الانتصار و بداية البناء.
سجن صيدنايا يقف اليوم كتوأم للباستيل الفرنسي، شهادة على ثورة عظيمة كسرت القمع واجتثت جذور الاستبداد، وفتحت أمام السوريين نافذة أمل حقيقية لكتابة فصل جديد من تاريخهم.
أيها السوريون…
إن أمامكم فرصة تاريخية لبناء الوطن والحفاظ على مقدراته. الأمانة اليوم في أعناقكم، ومسؤولية إعادة الإعمار—معنوياً قبل مادياً—تبدأ منكم. فهذا يوم الفرح، ويوم الشهداء، ويوم التضحيات الكبرى.
رحم الله شهداء الثورة والتحرير، وشهداء السجون، وشهداء البراميل والقصف والتهجير. ومعاً… نحو دولة المواطنة والعدالة والحقوق والمساواة، دون أن نكرر أخطاء الماضي أو نضيّع فرصة نهضة الوطن من جديد.






