يحتل الممثل مكانة بارزة في البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات الحديثة، إذ لم يعد دوره مقتصراً على الأداء الفني أو الترفيه، بل أصبح فاعلاً اجتماعياً وسياسياً يساهم في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الخطاب العام. ومع تزايد الأزمات الوطنية في العالم المعاصر، يواجه الممثل سؤالاً مصيرياً يتعلق بموقعه:
هل ينحاز إلى السلطة باعتبارها الضامن للاستقرار، أم إلى جمهوره الذي منحه الشرعية الشعبية ورفعه إلى مراتب النجومية؟ هذه الإشكالية تضع الممثل في قلب النقاش حول العلاقة بين الفن والسياسة، وبين المسؤولية الفردية والالتزام الجماعي.
الإشكالية:
تتمثل الإشكالية الرئيسة في تحديد موقع الممثل خلال الأزمات الوطنية: هل يُنظر إليه كأداة دعائية للسلطة، أم كصوت شعبي يعكس هموم المجتمع؟ وما هي التداعيات الأخلاقية والسياسية لاختياراته؟ هناك خيارات للممثل ودوره في الحياة العامة:
أولًا: الممثل كفاعل اجتماعي وثقافي
• البعد الرمزي: الممثل يجسد القيم والمعاني التي يتبناها المجتمع، ويعيد إنتاج الهوية
الوطنية عبر الفن.
• المسؤولية الأخلاقية: النجومية ليست امتيازًا شخصيًا، بل تكليفًا اجتماعيًا يفرض على
الممثل أن يكون صوتًا للناس.
• التأثير الجماهيري: الممثل يمتلك قدرة على تحريك المشاعر الجماعية، مما يجعله جزءًا
من البنية الرمزية للمجتمع.
ثانيًا: الممثل والسلطة في زمن الأزمات
• الاصطفاف مع الحاكم:
– يُنظر إليه كخيار يضمن الاستقرار السياسي ويعزز صورة الدولة، أو يؤمّن له الحماية والجاه، وهنا يتحول إلى أداة بيد السلطة تديره كيف تشاء.
– لكنه قد يفقد مصداقيته إذا شعر الجمهور أنه تخلى عن قضاياه.
• الاصطفاف مع الجمهور:
– يعكس التزامًا بالقيم الديمقراطية والحرية.
– يرسّخ مكانة الممثل كرمز شعبي، لكنه قد يعرّضه لمخاطر سياسية أو مهنية، منها فقدان مصدر رزقه.
ثالثًا: البعد التاريخي والتجارب المقارنة
• التجارب العالمية: في أوروبا وأمريكا اللاتينية، لعب الممثلون أدوارًا بارزة في دعم الحركات الاجتماعية، مما جعلهم رموزًا للحرية.
• التجارب العربية: شهدت المنطقة مواقف متباينة؛ بعض الممثلين اصطفوا مع السلطة حفاظًا على مواقعهم، فيما اختار آخرون الانحياز للجمهور، فخلّدهم التاريخ كأصوات للمقاومة.
• وأترك لكم تحديد الأشخاص الذين اصطفوا مع السلطة، والأشخاص الذين انحازوا إلى جانب أبناء جلدتهم أيام ثورتنا المباركة.
• التحليل المقارن: تكشف هذه التجارب أن الموقف الشعبي غالبًا ما يمنح الممثل شرعية
طويلة الأمد، بينما الموقف السلطوي يبقى رهين اللحظة السياسية.
رابعًا: الإطار النظري
• نظرية المثقف العضوي (غرامشي):
المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي هو المثقف المرتبط عضويًا بطبقة اجتماعية محددة، ويعمل على صياغة أفكارها وتطلعاتها وتنظيم رؤيتها للعالم، بخلاف المثقف
التقليدي الذي ينفصل عن الواقع ويكتفي بالعمل الفكري المجرد.
– الممثل يمكن اعتباره مثقفًا عضويًا حين ينخرط في قضايا الناس ويعبر عنهم.
• نظرية المجال العام (هابرماس):
نظرية المجال العام عند يورغن هابرماس هي تصور فلسفي واجتماعي يشرح كيف يتشكل الرأي العام عبر فضاء مفتوح للنقاش الحر بين المواطنين، بعيداً عن سلطة
الدولة والسوق.
– الفن التمثيلي يشكل جزءًا من المجال العام الذي تُناقش فيه القضايا المجتمعية، مما يمنح الممثل دوراً محورياً في الحوار الوطني.
الخاتمة
إن الممثل في زمن الأزمات ليس مجرد فنان يؤدي أدوارًا، بل هو شاهد على التاريخ وصاحب موقف يحدد علاقته بالوطن والجمهور. إن اختياره الاصطفاف مع السلطة قد يمنحه حماية آنية، لكنه يهدد مكانته الرمزية، بينما الاصطفاف مع الجمهور يرسّخ حضوره في الذاكرة الجمعية ويمنحه شرعية أخلاقية تتجاوز حدود الفن.
وننتهي إلى القول: إن الممثل الحقيقي هو الذي يراهن على التاريخ لا على السلطة، وعلى الإنسان لا على الامتيازات.






