جلال شموط

حمار ضر.. نار… قال ما حترق ذنبه!

في سوريا، لدينا مثل لا يمكن أن تجده في قاموس علم النفس ولا في كتب النقد، لكنه يفسر نصف سلوكيات «نجوم» الدراما:

حمار ضر.. نار!.. قال ما احترق ذنبه، قله: سماع وسطح. تماماً.. وهذا بالضبط حال بعض الفنانين الذين باتوا يتنقلون بين منابر الترندات والمقابلات المثيرة للجدل كخبراء في الأخلاق الاجتماعية، ويقفون أمام الجمهور بثقة من يعتقد أن «ذيله» لم يحترق، بينما رائحة الاحتراق تملأ هواء البلد.

 هناك لحظة في تاريخ الشعوب تسقط فيها كل الأقنعة دفعة واحدة. لحظة يصبح فيها المجتمع مرهقاً من الوجوه التي لم تقدم له سوى البعبعة، ويتحول الفنان ـــ الذي يفترض أن يكون ضمير الناس ـــ إلى مجرد «طبل فارغ» على منصات التواصل، يوزع الاتهامات، ويفسر الأخلاق، ويقيس الوطنية على مزاجه الشخصي. وهذا بالضبط ما حصل عندنا.

بعد سقوط النظام السابق، كان من الطبيعي أن نرى الناس تتنفس، وتتكلم، وتنتقد، وترتفع أصوات كانت مكتومة لعقود. لكن الغريب أن الذين اندفعوا فجأة إلى الواجهة ليسوا فقط المثقفين الحقيقيين، بل الوجوه الأولى التي تصدرت المشهد كانت وجوهاً أقل ما يقال عنها لا علاقة لها بالفكر والأدب، ولا بالوعي، ولا بالمسؤولية الاجتماعية. وجوه احترفت التمثيل على الشاشة، لكنها لم تتقن يوما التمثيل الأخلاقي أمام الناس.

أكثر ما يفضح هذه الازدواجية هو تلك الارتجاليات التي نسمعها من بعض الفنانين كل بضعة أيام.. تصريحات غريبة، وسطحية، ومهينة أحياناً كثيرة. تصريحات تكشف حقيقة صادمة: لدينا فنانون بلا ثقافة. وبلا وعي. وبلا إحساس بواجباتهم تجاه الجمهور.

جلال شموط… نموذج لا يمكن تجاهله

حين خرج هذا الذي يدعى فنان قبل أيام يشمطنا بتصريحاته الحمقاء ويقول مبرطماً على أهل إدلب: «هي مو ساحة الأمويين يلي متعود عليها.. و أنه لم يعد يرى الشوام في دمشق»، وكأن السوريين قطعان موزعة حسب المدن والبطاقات، كان ذلك واحداً من أسوأ الأمثلة على ضحالة الوعي لدى بعض الفنانين السوريين. نسي الرجل أن السوري ـــ كل سوري ـــ يتنقل داخل وطنه كما يشاء، يهرب من الحرب، يبحث عن أمان، يلتم مع أهله، أو يسعى لفرصة عمل.. وأن دمشق، التي كانت دائما حضنا لكل السوريين، ليست مزرعة لقبيلة، وليست ناد مغلقاً على «أصحابه».

نسي أن هناك من تهجر عن قراه، وهناك من ما تزال بلدته تحت خراب الصراع، وهناك من عاد إلى العاصمة ليبدأ من الصفر.. فجاء هو ليقدم تقييماً ديموغرافياً متخيلاً، وكأن المدينة رقعة شطرنج يملكها. هذا النوع من التصريحات ليس مجرد سقطة عابرة، بل علامة على خلل أخلاقي في فهم معنى الفنان ودوره. الفنان ليس شرطياً على بوابات المدن. وليس مؤرخاً للهوية. وليس وصيا على نسب الناس. الفنان الحقيقي هو الذي يفتح صدره لكل السوريين، لا الذي يوزعهم خانات على هواه.

ازدواجية الوجوه… وسر الجرأة المفاجئة

قبل سقوط النظام، أين كانت أصوات هؤلاء؟ أين كانت (جرأتهم وفلسفتهم الزائدة) في انتقاد المجتمع عندما كانت اللطميات العلنية تجوب شوارع دمشق وتباع المخدرات على البسطات وفي المدارس؟ لماذا لم نسمع لهم ولو رأياً واحداً في تلك السنوات التي كانت الناس فيها تعتقل لأنهم رفعوا صوتهم؟ كانوا ببساطة خائفين، أو مستفيدين ومتنفعين، أو يسوقون ويروجون للمساكنة والانحطاط الأخلاقي، أو صامتين كي لا يخسروا مواقعهم.

اليوم، بعد أن تغير الواقع، قرر بعضهم فجأة أن يصبح واعظاً اجتماعياً، ومرجعا في الأخلاق، ومحللاً في «سوسيولوجيا المواطن السوري». لكن الحقيقة واضحة: ما نشهده ليس صحوة ضمير، بل انفلات بلا وجدان. الحرية مكفولة.. لكن الحرية بلا وعي تتحول إلى سلاح جارح بيد الخ…

الفنان الأوروبي… مقارنة ليست لصالحنا أبداً

في أوروبا، حين يرتكب فنان خطأ أخلاقياً تجاه أي فئة من الناس، تقوم الدنيا ولا تقعد. الصحافة تحاسبه، والجمهور يعاقبه ويقاطعه، وشركات الإنتاج توقف التعامل معه. وقد يعتذر علناً أمام البلاد كلها. لأن الفنان هناك: يعتبر جزءاً من البنية الأخلاقية للمجتمع، (لا مجرد وجه مشهور).

أما عندنا؟  هم فوق الناس فبعض الفنانين يعتقدون أن الشهرة تعطي الحق في إهانة مجتمع كامل، أو التنظير والاستعلاء على الناس، أو إطلاق تصريحات عنصرية، دون أدنى شعور بأنهم يتجاوزون حدودهم.

الفنان الذي يساهم في تفكيك المجتمع… ليس فناناً.. لدينا مجتمع خرج من حرب طويلة، ومن خراب، ومن تهجير. والمرحلة تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، إلى أعمال فنية عالية الجودة تعيد ترميم النفس السورية، وتجمع الناس على ما يوحدهم لا ما يشتتهم. لكن كيف نصل إلى هذا حين يكون بعض الفنانين أنفسهم أدوات تفريق وكراهية؟ كيف نبني وعياً جديداً بينما «رموز الثقافة الشعبية» يطلقون تصريحات تجرح أكثر مما تداوي؟

الفنان الذي يهين مواطناً، والذي يفصل بين سوري وسوري.. والذي يتنمر على فئة، أو يشمت بشريحة اجتماعية.. هو عملياً يساهم في إعادة إنتاج نفس الانهيار المجتمعي الذي عشنا سنوات ندفع ثمنه.

واجبات الفنان… التي تجاهلها الجميع تقريباً

هذه ليست واجبات اخترعها أحد، بل هي تشريعات قانونية تدرس في كليات الإعلام والحقوق والفنون:

كاحترام الجمهور واحترام التنوع، وعدم التورط في خطاب كراهية، وعدم استخدام الشهرة للتحريض والذم، وعدم إصدار أحكام على الناس، والامتناع عن الإهانة والتنمر، وإدراك أن الكلمة تؤثر في مجتمع هش خرج من جرح كبير.. لكن بعض الفنانين عندنا يتصرفون وكأنهم فوق القانون، وفوق النقد، وفوق المجتمع.

نحن لا نعمم… لكن الصامتين لا يصنعون فرقاً.. نعم، هناك قلة قليلة تحترم نفسها وجمهورها، وتقوم بدورها بصدق وإنسانية. لكن هؤلاء أصواتهم ضعيفة وضعيفة جداً. لأن الضجيج الأكبر يأتي من الذين يحترفون الظهور، لا من الذين يحترفون الموقف الأخلاقي.

الخلاصة

إن لم تتم محاسبة هذه التصريحات، وإن لم يُذَكَر هؤلاء الفنانون بأن لهم دوراً اجتماعياً حقيقياً وليس مجرد «اللحاق بركب الترند»، فإننا سنبقى عالقين في حلقة فارغة، حيث يتحول الفن إلى أداة إيذاء، بدل أن يكون وسيلة شفاء. الفنان الذي لا يحترم الإنسان.. لا يستحق أن يعبر إلى وعي الناس. ولا يستحق أن يمثلهم لا على الشاشة، ولا على المسرح، ولا في الفضاء العام.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top