زيارة ثانية لوزير الصحة إلى القنيطرة تعيد تقييم واقع القطاع الصحي بعد إدخال أجهزة وخدمات جديدة، وسط مطالب بتوسيع النقاط الطبية ودعم ريف المحافظة.
أجرى وزير الصحة “مصعب العلي” زيارة تفقدية ثانية إلى محافظة القنيطرة، اطلع خلالها على واقع القطاع الصحي وسير العمل في “مشفى الجولان الوطني”، برفقة محافظ القنيطرة “غسان السيد أحمد” ومدير الصحة “حمدي الغباغبي”. وتأتي الزيارة بعد نحو عام من زيارة سابقة للوزير ركزت على رفع مستوى الخدمات، تأمين التجهيزات الطبية، معالجة نقص الكوادر وتوسيع ساعات عمل المراكز الصحية.
وتعيد الزيارة الحالية فتح السؤال عن حجم التغيير الذي طرأ فعلياً على القطاع الصحي في القنيطرة منذ الجولة السابقة، خصوصاً أن المشفى شهد خلال الفترة الماضية إدخال أجهزة وخدمات جديدة، بالتوازي مع استمرار مطالب الأهالي بتوسيع التغطية الصحية خارج مركز المحافظة، ولا سيما في الريف الجنوبي.
من وعود الزيارة الأولى إلى أجهزة دخلت الخدمة
خلال زيارته السابقة إلى “مشفى الجولان الوطني” في تشرين الأول 2025، قال الوزير “مصعب العلي” إن تحسن الخدمات في المشفى أدى إلى مضاعفة عدد العمليات الجراحية وتقليص الإحالات إلى دمشق، معلناً العمل على تعزيز المشفى بأجهزة مراقبة للعناية المشددة، وأجهزة غسيل كلى متطورة، وتجهيزات أخرى، بينها حواضن للأطفال.
كما تحدث الوزير حينها وفق ما نقل مراسل “مؤسسة جولان” عن خطة لسد النقص في الكوادر الطبية من خلال التعاقد مع اختصاصيين جدد والتنسيق مع هيئة التخصصات الطبية، إضافة إلى التوجه لتمديد عمل عدد من المراكز الصحية حتى ساعات متأخرة من الليل.
وفي المقابل، أكدت إدارة صحة القنيطرة آنذاك وجود احتياجات مرتبطة بالمستلزمات الطبية وأعمال الترميم والنواقص الفنية في المشفى، ما وضع تحسين البنية التحتية والموارد البشرية ضمن الملفات المطروحة أمام الوزارة.
ماذا تغيّر في “مشفى الجولان”؟
شهد المشفى منذ تلك الزيارة إدخال عدد من التجهيزات والخدمات. ففي تشرين الثاني 2025، جرى تزويده بثلاثة أجهزة حديثة لغسيل الكلى من نوع “FRESENIUS”، وقالت وزارة الصحة إن الخطوة جاءت بناءً على توجيهات الوزير خلال زيارته السابقة.
وفي حزيران 2026، دخل جهاز تصوير شعاعي رقمي “DR” الخدمة في قسم الأشعة، بعد خروج الجهاز السابق من الخدمة. ووفق المعلومات المنشورة حينها، ساهم الجهاز الجديد في رفع سرعة إنجاز الصور وتحسين جودة التشخيص وتقليل الأعطال الفنية.
وشهد المشفى أيضاً إحداث عيادة للقدم السكرية بعد تأمين طبيب اختصاصي، إلى جانب العمل على تطوير العيادات التخصصية التي كانت تعاني نقصاً في الأطباء المختصين.
كما أُدخلت نقطة جديدة لجمع الدم في المشفى، بهدف تعزيز مخزون الدم وتخفيف أعباء النقل على المرضى والمتبرعين.

الكوادر الطبية.. ملف لم يُغلق
رغم إدخال تجهيزات وخدمات جديدة، ظل نقص الكوادر الطبية أحد الملفات المطروحة في القنيطرة. ففي آذار 2026، أعلنت مديرية الصحة حاجتها إلى التعاقد مع كوادر طبية بنظام مناوبات لمدة 24 ساعة، واستهدفت الخطة عدداً من المناطق بينها “جباثا الخشب” و”نبع الصخر” و”عين التينة” و”الرفيد” و”الحلس” و”الكوم” و”خان أرنبة”، إضافة إلى “مشفى الجولان الوطني”.
ويعكس ذلك أن تطوير القطاع الصحي لا يرتبط بالتجهيزات وحدها، بل بقدرة المراكز والمشفى على تأمين أطباء وكوادر تمريضية ومسعفين بصورة مستمرة، خصوصاً في المناطق الريفية البعيدة.
وفي هذا السياق، شهدت إدارة القطاع الصحي في المحافظة تغيراً على مستوى المسؤولين، فيما يتولى حالياً الدكتور “حمدي الغباغبي” إدارة صحة القنيطرة.
القنيطرة لا تبدأ من المشفى فقط
توسيع الخدمات داخل “مشفى الجولان” لم ينهِ مشكلة الوصول إلى الرعاية الصحية في الأطراف. فالمطالب التي طُرحت خلال الزيارة السابقة للوزير شملت زيادة عدد النقاط الطبية وتوزيعها بصورة أقرب إلى التجمعات السكانية، ولا سيما في القطاع الجنوبي من المحافظة.
وتبرز المسافة كأحد أبرز التحديات أمام سكان مناطق “الرفيد” و”المعلقة” و”غدير البستان”، حيث لا يكفي تطوير المشفى المركزي وحده لمعالجة مشكلة الوصول إلى الخدمة الصحية الأولية والإسعافية في المناطق البعيدة.
وكانت مديرية صحة القنيطرة قد أعلنت في وقت سابق إشرافها على عشرات المراكز الصحية في المحافظة، مع وجود مراكز خارج الخدمة ومراكز أخرى تعمل بصورة منتظمة، إلى جانب تجربة تمديد ساعات العمل في عدد من المراكز لتوفير الخدمة خارج أوقات الدوام المعتادة.
القطاع الجنوبي يطرح خياراً أكبر من نقطة طبية
وفي الريف الجنوبي، تتجاوز المطالب مسألة زيادة النقاط الطبية إلى إعادة تفعيل منشآت صحية قائمة أو استحداث مرفق قادر على تقديم خدمات أوسع.
ويطالب أهالي المنطقة بدعم “مركز إنعاش الريف” في منشية سويسة، إلى جانب إعادة تأهيل البناء الصحي الموجود، والذي يحتاج إلى أعمال ترميم قبل إعادة استخدامه.
ويرى الأهالي أن تأهيل المبنى أو تحويله إلى مرفق صحي يخدم المنطقة يمكن أن يخفف عن السكان أعباء الوصول إلى المراكز والمشافي البعيدة، خصوصاً في قرى “سويسة” و”عين التينة” و”قصيبة” و”قرقس” و”الدواية الكبيرة”، وغيرها من قرى القطاع الأوسط والجنوب.
شكاوى حول تحمّل المراجعين جزءاً من تكاليف العلاج
وعلى الرغم من أن “مشفى الجولان” منشأة حكومية، فقد وصلت إلى “مؤسسة جولان” شكاوى من مراجعين تفيد بتحمّلهم جزءاً من تكاليف العلاج والخدمات الطبية، وفي بعض الحالات تصل النفقات إلى أكثر من نصف التكلفة، وفق ما أفاد به أصحاب الشكاوى.
وتتعلق الشكاوى، بحسب المراجعين، بتأمين بعض الأدوية ومواد التصوير الشعاعي وأكياس الدم على نفقتهم الخاصة، في وقت يفترض فيه أن تكون الخدمات المقدمة ضمن المشفى الحكومي متاحة للمرضى وفق الآليات المعتمدة من وزارة الصحة.
وتثير هذه الشكاوى تساؤلات حول الفجوة بين توفر الخدمة داخل المشفى وبين قدرة المرضى على الحصول عليها من دون أعباء مالية إضافية، ولا سيما بالنسبة إلى الحالات التي تحتاج إلى أدوية أو تصوير شعاعي أو نقل دم.
وتحتاج هذه الشكاوى إلى التحقق من إدارة المشفى ومديرية صحة القنيطرة ووزارة الصحة، وتحديد الخدمات والمواد التي يتحمل المراجعون تكلفتها، وما إذا كان ذلك مرتبطاً بنقص مؤقت في المستلزمات أو بآلية رسمية معتمدة لتأمينها.
الزيارة الثانية تختبر ما بعد الوعود
بين الزيارتين، تبدو صورة القطاع الصحي في القنيطرة مختلفة في بعض جوانبها: أجهزة جديدة دخلت الخدمة، عيادات تخصصية استحدثت، خدمات تشخيصية توسعت، ومحاولات لسد نقص الكوادر استمرت.
لكن في المقابل، لا تزال الحاجة قائمة إلى توسيع التغطية الصحية خارج “مشفى الجولان”، وتأمين الكوادر في المراكز الريفية، ومعالجة الفجوة الجغرافية التي تواجه سكان المناطق الجنوبية والوسطى.
وتضع الزيارة الثانية لوزير الصحة “مصعب العلي” هذه الملفات مجدداً أمام الوزارة والمحافظة، بينما ينتظر أبناء القنيطرة أن تتحول المطالب المتعلقة بالنقاط الطبية وتأهيل المنشآت الصحية في سويسة والريف الجنوبي إلى خطوات تنفيذية تخفف فعلياً أعباء الوصول إلى الرعاية الصحية.

- محمد جابر













