على مدى ما يقارب عشر سنوات من العمل الميداني في تجمعات النازحين قبل عام 2011، لم تكن الصورة يوماً وردية كما قد يتخيلها البعض من بعيد. ما رأيته عن قرب كان واقعاً مختلفاً تماماً: تجمعات عشوائية نشأت تحت ضغط الحاجة، لا وفق تخطيطٍ عمراني أو صحي، فغابت عنها أبسط مقومات الحياة الكريمة.
في كثير من هذه التجمعات، لم تكن البنية التحتية موجودة أصلًا، بل كانت تُستحدث بشكل إسعافي ومؤقت. شبكات الصرف الصحي كانت تتعرض للانهيار مرارًا، وفي بعض الحالات كنا نضطر لاستبدال خطوط كاملة بعد أن طفحت المياه الآسنة إلى داخل البيوت، مهددة صحة السكان وسلامتهم. أما المياه النظيفة، فكانت في أحيان كثيرة شحيحة أو غير متوفرة، ما يزيد من معاناة الأهالي ويضاعف المخاطر الصحية.
هذه التجمعات، في جوهرها، لم تُبنَ لتكون سكنًا دائمًا، بل كانت حلولًا مؤقتة تحولت مع الزمن إلى واقع مفروض. تكدسٌ سكاني، خدمات محدودة، وبيئة لا تليق بإنسانٍ يريد أن يعيش حياة مستقرة مع أسرته. هي أقرب إلى المخيمات، لكنها بلا تنظيم المخيم، ولا خدمات المدينة.
ومع ما شهدته سوريا من أحداث خلال السنوات الماضية، وتوسع النزوح إلى الشمال السوري، تضاعف هذا الواقع بشكل أكبر. آلاف الأسر—ومنهم عدد كبير من أبناء القنيطرة—ما زالوا يعيشون في خيام أو تجمعات مشابهة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. وفي الوقت نفسه، تبذل الدولة جهودًا واضحة لتفريغ هذه المخيمات، وإعادة الناس إلى بيئة سكنية أكثر استقرارًا.
لكن هنا تبرز مشكلة أساسية:
كثير من أبناء القنيطرة فقدوا منازلهم بشكل كامل، أو أن منازلهم المتبقية أصبحت متصدعة وغير صالحة للسكن. والعودة إليها، في كثير من الحالات، تعني العودة إلى ظروف قد تكون أسوأ مما كانت عليه قبل النزوح.
من هنا، تبرز القنيطرة نفسها كجزء من الحل، لا كمشكلة.
القنيطرة اليوم تمتلك من المقومات ما يجعلها البديل الأنسب والأكثر واقعية لأبناءها القاطنين في تجمعات النزوح، سواء في الشمال أو غيره. فهي منطقة تتميز بـ:
• مساحات واسعة قابلة للتخطيط العمراني المنظم
• توفر مصادر المياه بشكل أفضل من كثير من مناطق النزوح
• أراضٍ زراعية خصبة تتيح فرص العمل والاستقرار
• بيئة طبيعية تساعد على بناء حياة متوازنة
الحديث هنا لا يقتصر على نقل الناس من خيمة إلى بيت، بل على إعادة بناء نمط حياة كامل؛ من السكن إلى العمل، ومن الخدمات إلى الاستقرار الاجتماعي.
إن إعادة توطين أبناء القنيطرة ضمن محافظتهم، عبر مشاريع إسكانية مدروسة، ليست مجرد خطوة إنسانية، بل هي خيار استراتيجي يحقق أكثر من هدف في آنٍ واحد:
يحفظ كرامة الإنسان، ويخفف الضغط عن المخيمات، ويعيد إحياء منطقة تمتلك كل مقومات الحياة.
لقد أثبتت التجربة أن الحلول المؤقتة، مهما طالت، لا يمكن أن تكون بديلًا عن التخطيط الحقيقي. والتجمعات العشوائية، مهما تم تحسينها، تبقى عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يحتاجه الإنسان.
اليوم، نحن أمام فرصة لإعادة التفكير بشكل مختلف:
بدلًا من إدارة واقع صعب، يمكننا صناعة واقع أفضل.
والبداية تكون من القنيطرة…
حيث الأرض موجودة، والماء متوفر، والإمكانات قائمة، وما ينقص فقط هو القرار بأن يعيش الإنسان حياةً تليق به.






