لوحة تجسد رقصة السماح للتشكيلي السوري منذر شرابي

لم تولد رقصة السماح على المسارح ولا في ساحات الاحتفال، بل خرجت من حلقات الذكر الصوفي في مدينة حلب، حيث امتزج الإنشاد الديني بحركات الجسد الهادئة، لتنشأ واحدة من أعرق الفنون التراثية في المشرق. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الرقصة من طقس روحي محدود داخل الزوايا والتكايا إلى فن ثقافي يُقدَّم على المسارح ويُعدّ اليوم جزءاً من الهوية الفنية لمدينة حلب.

وتُعرف رقصة السماح بخصوصيتها الحركية التي تميزها عن كثير من الرقصات الشعبية حول العالم؛ فهي تقوم على الوقار والاتزان أكثر من الاستعراض الحركي. فالراقصون يؤدون حركاتهم بخطوات صغيرة ومتأنية، دون قفز أو انحناء، بينما تبقى الظهور مستقيمة، وتتولى الأيدي الدور الأكبر في التعبير عبر تموجات دقيقة للكفين والأصابع. وتبدو الحركة أحياناً أشبه بمشية موسيقية متصلة، تنسجم مع إيقاع الموشحات والقدود الحلبية.

كما تتسم الرقصة بقدر كبير من الاحتشام في المظهر؛ إذ ترتدي الراقصات ثياباً طويلة تغطي كامل الجسد، غالباً ما تكون مؤلفة من طبقات متعددة، ولا يظهر منهن سوى الوجه، وأحياناً العينان فقط، وهو ما يعكس الخلفية الروحية التي نشأ منها هذا الفن.

جذور صوفية للرقصة

ترتبط رقصة السماح ارتباطاً وثيقاً بالتصوف، إذ كانت في بداياتها تُؤدّى خلال جلسات الذكر والمديح الديني، حيث يترافق الإنشاد مع الإيقاع البسيط الناتج عن التصفيق أو ضرب الدفوف. ومع مرور الوقت، بدأت ترافقها آلات موسيقية هادئة مثل الناي والعود والقانون، لتتحول تدريجياً إلى رقصة مرتبطة بالموشحات والقدود الحلبية.

ويرى عدد من الباحثين أن تسمية الرقصة تعود إلى طلب الإذن من شيخ الحضرة قبل البدء بالرقص. ففي حلقات الذكر كان الدرويش يتقدم إلى وسط الحلقة طالباً الإذن، فيجيبه الشيخ بعبارة “السماح… السماح” إيذاناً ببدء الحركة.

أما مؤرخ حلب خير الدين الأسدي فيقدم تفسيراً آخر للتسمية، إذ يربطها بطبيعة الإيقاع المستخدم في الرقصة، ويقول في كتابه موسوعة حلب:

“لعل سبب التسمية أن السماح رقص إيقاعي ديني، وأدوات الإيقاع مسموح بها عرفاً وعادة وشرعاً”.

كما أشار الأديب بطرس البستاني في معجم محيط المحيط إلى هذا الفن بقوله:

“إنه رقص للمشايخ يستعملونه في العبادات، ويؤدى في تشكيلات ونغمات وإيقاعات وخطوات متعددة على شكل وصلات تُغنّى فيها الموشحات والقدود”.

نشأة في حلب وانتشار في سوريا

تشير الدراسات التاريخية إلى أن نشأة السماح تعود إلى القرن السابع الهجري، وترتبط باسم الشيخ عقيل المنبجي، أحد أعلام التصوف في المنطقة. ويؤكد الباحث شهاب الدين فرفور أن المصادر التاريخية لا تشير إلى وجود هذا الفن قبل تلك المرحلة، ما يجعل حلب الموطن الأول لنشأته وتطوره.

ومع مرور الوقت خرج السماح من حلقات الذكر إلى فضاءات أوسع، خاصة بعد أن نقله رائد المسرح السوري أبو خليل القباني من الزوايا الصوفية في حلب إلى المسارح في دمشق خلال القرن التاسع عشر.

تطور السماح في العصر الحديث

شهد هذا الفن تحولاً مهماً في القرن العشرين على يد الموسيقار الحلبي عمر البطش، الذي أعاد تنظيم حركاته وربطها بإيقاعات الموشحات بشكل أكثر دقة. وقد ساعد ذلك على إخراج السماح من الإطار التقليدي المحدود إلى عروض فنية أكثر تنوعاً.

وفي عام 1934 حدثت خطوة مهمة في مسيرة هذا الفن، عندما دُعي البطش لتعليم طالبات معهد “دوحة الأدب” في دمشق رقصة السماح. فشكّل فرقة من الطالبات دربهن على حركاتها، وقدمن عرضاً فنياً على مدرج جامعة دمشق عام 1947، حيث أنشدن موشح “املأ لي الأقداح صرفاً” أثناء أداء الرقصة.

ومع مرور الزمن وتطور الممارسات الفنية المرتبطة بهذا التراث، لم تبقَ رقصة السماح على شكل واحد، بل تفرعت إلى عدة أنماط تبعاً لبيئات تقديمها ووظائفها الثقافية. فبرز السماح الديني الذي ظل مرتبطاً بحلقات الذكر الصوفي والإنشاد الروحي، محافظاً على طابعه التعبدي وإيقاعه الهادئ. وفي المقابل ظهر السماح المسرحي بعد انتقال هذا الفن إلى خشبات المسارح، حيث قُدّم ضمن عروض فنية منظمة ترافقها الموشحات والأداء الموسيقي. أما السماح الشعبي فقد أصبح جزءاً من الفلكلور الحلبي، يُؤدَّى في المهرجانات والفعاليات الثقافية بوصفه تعبيراً عن الهوية التراثية للمدينة.

وفي موازاة هذا التطور، شهدت أزياء الراقصين بعض التغييرات الطفيفة التي جعلتها أقرب إلى الطابع الأندلسي، من حيث الألوان والتصميم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على روح الوقار والاحتشام التي لطالما ميّزت هذا الفن منذ نشأته في الأوساط الصوفية.

إرث فني يعكس هوية المدينة

اليوم تُعد رقصة السماح أحد أبرز رموز التراث الموسيقي في حلب، إذ تجمع بين التصوف والموسيقى والحركة في لوحة فنية متكاملة. وعلى الرغم من التحولات التي طرأت عليها عبر الزمن، فإنها ما تزال تحافظ على جوهرها القائم على الانسجام بين الروح والإيقاع.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top