في قلب مدينة دمشق، وعلى الجدار الشرقي لـ الجامع الأموي قرب باب جيرون، وقفت قبل أكثر من ثمانية قرون واحدة من أعجب الابتكارات العلمية في التاريخ الإسلامي: ساعة ميكانيكية مائية صمّمها الفلكي الدمشقي محمد بن علي الساعاتي، وأعاد بناءها وتطويرها ابنه العالم الموسوعي رضوان بن محمد الساعاتي سنة 618هـ / 1231م.
كانت تلك الساعة منظومة هندسية معقّدة تجمع بين الفلك والميكانيك والهيدروليك، وكانت تُستخدم لضبط أوقات الصلاة والأذان بدقة في الجامع الأموي، في زمن لم تكن فيه الساعات الميكانيكية قد عُرفت بعد في أوروبا.
آلية هندسية مذهلة
اعتمدت الساعة على نظام مائي دقيق يعمل بواسطة خزان ماء وعوّامة تتحرك تدريجياً مع انخفاض مستوى الماء. هذه الحركة كانت تُنقل عبر حبال وبكرات إلى أجزاء الساعة العلوية، فتُحرّك آليات العرض والتنبيه.
وعند انقضاء كل ساعة من ساعات النهار، كانت آلية الساعة تُطلق كرتين نحاسيتين تسقطان في إناء معدني، فيصدر صوت مسموع يعلن مرور ساعة جديدة. وفي الوقت ذاته تمتد عنقا صقرين معدنيين يقذفان الكرتين في الإناء بحركة آلية دقيقة، في مشهد ميكانيكي أثار دهشة كل من شاهده.
أما في الليل، فكانت الساعة تستخدم نظاماً بصرياً يعتمد على مصباح يضيء خلف أقراص زجاجية، بحيث ينتقل الضوء تدريجياً بين الدوائر ليشير إلى مرور الساعات الليلية.
وصف الرحالة ابن جبير
من أهم الشهادات التاريخية عن هذه الساعة ما أورده الرحالة الأندلسي ابن جبير الذي زار دمشق عام 580هـ أثناء رحلته للحج، حيث وصفها وصفاً دقيقاً في رحلته قائلاً:
“لها هيئة طاق كبير مستدير فيه طاقات صُفر، فُتحت فيه أبواب صغيرة على عدد ساعات النهار… فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر على طاستين… وتبصر البازين يمدّان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما تدبيراً عجيباً.”
وأضاف في وصف نظام الإضاءة الليلي:
“يظهر خلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزجاج ضوء المصباح فبدت دائرة محمرة، ثم تنتقل إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل.”
وقد أطلق أهل الأندلس والمغرب على هذا النوع من الساعات اسم “المنجانة”، وهو الاسم الذي استخدمه ابن جبير أيضاً في وصفه.
إشارات مبكرة في المصادر التاريخية
تشير المصادر التاريخية إلى أن فكرة الساعات في الجامع الأموي تعود إلى قرون أقدم. فقد ذكر المؤرخ الدمشقي ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق وجود ساعات عند باب الجامع القبلي منذ القرن الرابع الهجري تقريباً، قائلاً:
“إنما سُمِّي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه عُمل هناك ساعات يُعلم بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها صورة عصافير وحيّة وغراب، فإذا تمّت الساعة خرجت الحية وصاحت العصافير وسقطت حصاة في الطست.”
كما أكد الجغرافي المقدسي شمس الدين المقدسي استمرار عمل تلك الساعات في القرن الرابع الهجري.
ترميمات متكررة عبر العصور
تعرضت ساعات الجامع الأموي لعدة أضرار نتيجة الحرائق التي أصابت المسجد عبر تاريخه. ومن أبرز تلك الحوادث الحريق الكبير الذي وقع عام 461هـ، ثم حريق آخر سنة 559هـ أدى إلى تلف الساعات المقامة عند باب جيرون.
أمر السلطان نور الدين زنكي بإعادة إصلاحها عندما دخل دمشق، وكلف المهندس محمد بن علي الخراساني بإعادة تشغيلها.
وفي القرن الرابع عشر، وصف الرحالة الشهير ابن بطوطة نسخة مطوّرة من الساعة أثناء زيارته دمشق سنة 1326م، مشيراً إلى أن أبوابها كانت تتبدل ألوانها مع مرور الساعات، إذ قال:
“إذا ذهبت ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ظاهراً والظاهر الأصفر باطناً.”
نهاية الساعة بعد اجتياح تيمورلنك
رغم حرص الدمشقيين على إصلاح الساعة بعد كل حريق، فإن مصيرها تغيّر بعد اجتياح القائد المغولي تيمورلنك لدمشق عام 803هـ، حيث تعرض الجامع الأموي لدمار كبير، واختفت بعدها تلك الساعات التاريخية ودخلت في طي النسيان.
إرث علمي سبق أوروبا
يُقارن بعض الباحثين بين هذه الساعة وبين ساعة بيج بن في لندن التي شُيّدت عام 1859م، لكن الفارق الزمني بينهما يتجاوز ستة قرون.
ويشير الباحث محمد عيسى صالحيه في دراسته الفيزياء والحيل عند العرب إلى أن تكلفة إنشاء هذه الساعات الضخمة في دمشق بلغت نحو 40 ألف درهم، وهو مبلغ ضخم آنذاك، ما يعكس قيمة المشروع العلمي والهندسي الذي مثّلته.
وتبقى ساعة الجامع الأموي واحدة من أبرز الشواهد على التقدم العلمي والهندسي في الحضارة الإسلامية، إذ جمعت بين المعرفة الفلكية والابتكار الميكانيكي في زمن كانت فيه أوروبا لا تزال في بدايات تعرفها على تقنيات قياس الزمن.
- بثينة الخليل






