المشهد يتقدم بسرعة، لكن القراءة الهادئة تكشف أن ما يجري هو لحظة اختبار كبرى لتوازنات المنطقة بأكملها وليس مواجهة عسكرية معزولة فقط. أي تصعيد أميركي – إسرائيلي ضد إيران لا يمكن عزله عن سؤال أوسع: من يملك قدرة التحمل الأطول، ومن يستطيع إدارة ما بعد الضربة الأولى.
إسرائيل تتحرك وفق عقيدة أمنية راسخة تقوم على الضربة الاستباقية ومنع الخصم من امتلاك عناصر تهديد نوعية. هذا السلوك تكرر تاريخيا كلما شعرت تل أبيب أن ميزان الردع يميل تدريجيا ضدها.
التفوق الاستخباراتي والتقني يمنحها ثقة عالية، ويجعلها تميل إلى الحسم السريع. في المقابل، واشنطن تنظر إلى المشهد بميزان مختلف. التجربة العراقية ما تزال حاضرة في الوعي الأميركي؛ إسقاط نظام قد يكون ممكنا عسكريا، غير أن إدارة الفراغ الذي يليه أكثر تعقيدا وكلفة.
في الداخل الإيراني تبدو الصورة أكثر تعقيدا مما يروج. الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية كشفت عن فجوة اجتماعية واقتصادية عميقة، غير أنها لم تنتج معارضة موحدة قادرة على تسلم الحكم. في أوقات التصعيد الخارجي تميل المجتمعات إلى الاصطفاف حول الدولة، وهو ما ظهر في تماسك نسبي خلف المرجعية السياسية والدينية. هذا المعطى يجعل سيناريو إسقاط النظام بالقوة أقل احتمالا في المدى القريب، لأن إسقاط أي سلطة مركزية يحتاج إلى بديل جاهز، وهو أمر غير متوافر حتى الآن.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار النظام مع تعديل سلوكه تحت ضغط عسكري واقتصادي، أي قبول تفاهمات قاسية تحفظ بقاءه مقابل تقليص نفوذه الإقليمي. هذا المسار ليس مستبعدا إذا وجدت طهران أن كلفة المواجهة الشاملة تفوق قدرتها على الاحتمال. النظام الإيراني أظهر تاريخيا براغماتية واضحة عندما يتعلق الأمر بالبقاء.
السيناريو الثاني يتمثل في انزلاق داخلي نتيجة ضغط خارجي واسع، وهو مسار يفتح الباب أمام اضطرابات قومية ومناطقية. الملف الكردي يظل حساسا في هذا السياق. أي ضعف حاد في قبضة الدولة قد يشجع مطالب حكم ذاتي أو فيدرالي في غرب البلاد، وهو ما قد يخلق صداما داخليا يمتد أثره إلى العراق وتركيا. هذا المسار يحمل مخاطر حرب أهلية، وهي نتيجة لا تبدو القوى الكبرى راغبة في تحمل تبعاتها.
ثمة احتمال ثالث لا يقل خطورة، يتمثل في تصدير الأزمة إلى الخارج. إيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المباشرة عبر شبكات نفوذ ممتدة في المنطقة. في حال تعرضها لضغط وجودي قد تلجأ إلى توسيع رقعة الاشتباك، خصوصا في الخليج العربي حيث تتشابك المصالح الاقتصادية الحساسة مع تركيبات سكانية متنوعة، من بينها مواطنون من الطائفة الشيعية يشكلون نسبا متفاوتة في الدول الخليجية ولديهم ولاء ديني وقومي لإيران. هذا الواقع ظل لسنوات جزءا من الحسابات الأمنية الإقليمية، وإيران سعت في مراحل مختلفة إلى توظيف الخطاب المذهبي كأداة نفوذ سياسي خارج حدودها.
في حال تصاعد المواجهة قد تحاول طهران استخدام هذا العامل للضغط غير المباشر على خصومها، سواء عبر خطاب تعبوي أو عبر أدوات سياسية وأمنية. مجرد ارتفاع منسوب التوتر في الخليج كفيل بإرباك اقتصادات المنطقة ورفع كلفة التأمين والطاقة والاستثمار. عندها ستتجه دول الخليج إلى تعزيز إنفاقها الدفاعي وطلب مظلات حماية أوسع. هنا تدخل الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني التقليدي، ما يعني أن أي تصعيد طويل سيتحول إلى عقود تسليح جديدة وترتيبات أمنية أعمق، وفاتورة استراتيجية مرتفعة تتحملها العواصم الخليجية تحت عنوان الحماية والاستقرار.
في لبنان تراجعت قدرة حلفاء طهران على الحركة كما في السابق، وفي العراق تبدو الساحة أكثر تعقيدا من أن تكون ورقة سهلة الاستخدام. لذلك فإن خيار توسيع الاشتباك يحمل لإيران مخاطر موازية لما يمنحه من أوراق ضغط.
في خلفية المشهد تقف روسيا والصين بحسابات دقيقة. موسكو تنظر إلى أي انشغال أميركي إضافي من زاوية المصلحة، فهي لا تدخل مواجهة مباشرة دفاعا عن طهران، لكنها تستفيد من استنزاف خصمها الاستراتيجي. بكين تعتمد مقاربة أكثر هدوءا، تراقب خطوط الطاقة والتجارة وتحرص على عدم تعريض مشاريعها الكبرى للاهتزاز، وفي الوقت ذاته لا تمانع في رؤية واشنطن غارقة في ساحة جديدة. إذا انتهت إيران إلى إضعاف حاد أو تغير جذري، فإن الفراغ الجيوسياسي قد يمتد شرقا نحو باكستان وأفغانستان، وهما منطقتان ترتبطان مباشرة بحسابات الصين الأمنية والاقتصادية. أي اضطراب هناك قد يفتح فصلا جديدا من التوتر في بيئة تتشابك فيها التحالفات، ما يعني أن ساحة الصراع قد تتحرك جغرافيا بدل أن تنطفئ.
من الخطأ التعامل مع إيران بوصفها ضحية أو قوة لا تخطئ. سياساتها الإقليمية خلال العقدين الماضيين ساهمت في تعميق الانقسامات وأدخلت المنطقة في مسارات صراع طويلة. خطابها الثوري منحها نفوذا، لكنه راكم خصومات واسعة وجعلها في مواجهة دائمة مع محيطها. أي قراءة موضوعية يجب أن تضع هذه الوقائع في الحسبان عند تحليل احتمالات التصعيد.
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في خوض حرب برية واسعة. واشنطن تميل إلى إدارة الصراع من مسافة، معتمدة على الضربات الدقيقة والعقوبات والتحالفات الإقليمية. إنها مقاربة تستهدف تغيير السلوك أكثر من تغيير النظام، لأن التجارب السابقة أظهرت أن إسقاط الأنظمة لا يضمن استقرارا لاحقا.
المعادلة الحالية تتوزع بين ثلاثة مسارات واضحة: بقاء النظام مع تعديل إجباري في سياساته، انفجار داخلي غير مضمون النتائج ينتهي بحرب أهلية، أو توسع إقليمي يجر المنطقة إلى استنزاف طويل. وكلما اتسعت رقعة النار، ازداد احتمال انتقالها إلى ساحات جديدة في الشرق، حيث تتقاطع مصالح قوى كبرى تنتظر اللحظة المناسبة لإعادة ترتيب التوازنات. المنطقة تقف أمام لحظة اختبار حقيقية، وأي تهور إضافي قد يحول المواجهة إلى حريق يصعب احتواؤه في مدى منظور.






