رئيس وزراء لبنان نواف سلام (وكالة الأناضول)

أعلنت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام الحظر الفوري لجميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، وحصر عمله في المجال السياسي فقط. القرار جاء بعد ساعات من دخول الحزب على خط المواجهة بين إسرائيل وإيران، حيث أطلق رشقة صاروخية نحو شمالي إسرائيل، لترد الأخيرة بقصف واسع استهدف الضاحية الجنوبية ومناطق في الجنوب والبقاع، وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا. هذا التصعيد دفع بيروت إلى اتخاذ قرار اعتبره مراقبون “منعطفاً تاريخياً” في مسار السيادة الوطنية.

نزع السلاح وإعادة الاعتبار للدولة
القرار يضع لأول مرة مسألة سلاح حزب الله في إطار قانوني واضح، إذ نص على أن حيازة السلاح يجب أن تكون حصراً بيد المؤسسات الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. بذلك، يصبح أي نشاط عسكري أو أمني يقوم به الحزب خارج إطار الدولة “غير قانوني”، ما يعني رفع الغطاء الرسمي عن المقاومة المسلحة، وإعادة التأكيد على أن قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة وحدها.

الجيش اللبناني في الواجهة:

 كلفت الحكومة اللبنانية الجيش بتنفيذ خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني، وهي خطة كان الجيش قد عرضها سابقاً، لكنها لم تُنفذ بشكل كامل.

يضع هذا التكليف المؤسسة العسكرية أمام اختبار صعب، إذ يتعين عليها منع أي إخلال بالأمن أو مساس بالسلم الأهلي، مع مراعاة الحساسية الاجتماعية والسياسية المرتبطة ببيئة حزب الله.

البعد القانوني والسياسي:

يتوافق القرار مع الدستور اللبناني الذي يحصر الدفاع عن الوطن بالقوات المسلحة الشرعية.

كما يهدف إلى حماية لبنان من العقوبات الدولية ومن الانزلاق في نزاعات إقليمية غير محسوبة، خصوصاً أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة ودول الخليج، كان يطالب بيروت منذ سنوات بخطوات عملية لنزع سلاح الميليشيات.

تحديات التنفيذ:

رغم قوة القرار من الناحية الدستورية والسياسية، يبقى التنفيذ على الأرض التحدي الأكبر. فالتداخل بين النشاط العسكري لحزب الله وبيئته الاجتماعية يجعل أي محاولة لنزع السلاح محفوفة بالمخاطر.

يشير الخبراء  إلى ضرورة اعتماد خطة دمج أو تسريح تدريجي، تضمن انتقالاً سلساً نحو الدولة المركزية، وتجنب أي صدام داخلي قد يهدد السلم الأهلي.

انقسام داخلي بين التأييد والرفض
المواقف داخل لبنان تباينت بشكل حاد. واعتبر الباحث في القانون الدستوري سليم زخور القرار “مهماً وتاريخياً”، مؤكداً أنه يضع حداً لأي أعمال عسكرية قد تنطلق من الأراضي اللبنانية، وصف الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان القرار بأنه “بيان حرب”، محذراً من تداعياته على البيئة الاجتماعية للحزب، ورأى أنه كان من الأفضل تأجيله إلى ما بعد انتهاء الجولة القتالية مع إسرائيل.

البعد الإقليمي والدولي:

القرار اللبناني لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية الكبرى، خصوصاً بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وما تبعه من تصعيد عسكري.
وتسعى بيروت من خلال هذه الخطوة إلى إعادة بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، ومنع تحويل لبنان إلى منصة لحروب الآخرين. في الوقت نفسه، تراهن الحكومة على دعم دولي وإقليمي لتثبيت القرار، وسط تساؤلات حول ما إذا كان ذلك سيحد فعلاً من الاعتداءات الإسرائيلية أو سيزيد من تعقيد المشهد.

لبنان يقف اليوم أمام لحظة فارقة: إما أن ينجح في فرض سيادة الدولة على كامل أراضيه، أو أن ينزلق إلى مواجهة داخلية جديدة.

بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله يمثل القرار إعادة تفعيل متأخرة لبنود اتفاق الطائف، لكنه يضع البلاد أمام اختبار صعب بين إرادة الدولة وموازين القوى على الأرض.
وفي كل الأحوال، فإن هذه الخطوة ستظل علامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث، سواء نجحت في التطبيق أم بقيت حبراً على ورق.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top