لم يكن المشهد عابراً، ولا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطور عسكري في صراع إقليمي مفتوح. ما جرى خلال الأشهر الماضية، من حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، وصولاً إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني في الضربة الافتتاحية، يشير إلى تحوّل عميق يتجاوز الحسابات التكتيكية، ويمسّ بنية النظام الإيراني ذاته.
تساقُط الصواريخ والطائرات المسيّرة في سماء عواصم عربية، وفي جنوب سوريا والأردن، لم يكشف فقط هشاشة المنظومات الصاروخية، بل عرّى أيضاً سردية القوة التي طالما روّج لها النظام الإيراني بوصفه لاعباً إقليمياً صلباً. فجأة، بدا المشروع الذي قُدّم لعقود باعتباره محوراً صاعداً أقرب إلى بناء متصدّع، يتهاوى عند أول اختبار شامل.
في الذاكرة السورية، لا تُقرأ هذه التطورات بمعزل عن تجربة مريرة. من معارك “القصير” و “مثلث الموت” جنوب سوريا، إلى تمدد الميليشيات المدعومة من طهران في حلب، ومحاولات التشيّع فيها وفي دير الزور، وتدخلات على أكثر من جبهة، ارتبط الحضور الإيراني بوقائع دامية: قصف مدن، تهجير سكان، محاولات تغيير ديموغرافي، ومسارات مذهبية قسرية تركت ندوباً عميقة، لم يكن التدخل الإيراني في سوريا حدثاً طارئاً، بل تحول إلى عنصر مركزي في إطالة أمد الصراع وتعقيد مساراته.
لكن ما يستحق التوقف عنده اليوم ليس فقط أثر السياسة الخارجية الإيرانية، بل طبيعة البنية الداخلية للنظام نفسه. فحين يسقط رأس الهرم مرتين في أقل من عام – كما حدث في الضربات الأولى لكل من حرب يونيو 2025 و الحرب القائمة الآن ـ فإن السؤال يتجاوز قدرات الخصم إلى بنية الحماية الذاتية. كيف يمكن لقيادات الصف الأول أن تجتمع في توقيت ومكان مكشوفين، فيما كانت مؤشرات الحرب علنية: حشود عسكرية، سحب دبلوماسيين، وتسريبات إعلامية عن مواجهة وشيكة؟
هل هو استخفاف بالتقدير الاستخباري؟ أم خلل أمني جسيم؟ أم اختراق عميق داخل مؤسسات الدولة؟ أم أن النظام الذي أحكم قبضته طويلاً على المجتمع، أفرز في داخله دوائر تآكل صامتة؟
الفرضية التي لا يمكن تجاهلها أن القمع الداخلي، الممتد لعقود، لا يمرّ بلا كلفة استراتيجية. النظام الذي واجه احتجاجات شعبية واسعة بالقوة، وأغلق المجال العام، وضيّق على المجتمع المدني، وأقصى الأصوات المخالفة، صنع بيئة يغيب فيها التماسك العضوي بين الدولة والمجتمع. وفي مثل هذه البيئات، تتسع فجوة الثقة، وتتضاعف احتمالات الاختراق. ليس من المبالغة القول إن من قتل رأس النظام، في أحد أوجه الصورة، هو النهج الذي اعتمد على القمع بدل التوافق، وعلى الأمن بدل الشرعية السياسية.
كثرة الحديث عن “العملاء” داخل إيران لا يمكن فصلها عن هذه المعادلة. فالاختراقات الكبرى لا تنشأ في فراغ، بل تجد أرضاً خصبة في مجتمعات تشعر قطاعات منها بالتهميش أو القهر أو الإقصاء. حين تتراكم الأزمات الاقتصادية، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، وتُغلق قنوات التعبير السلمي، يصبح الداخل نفسه ساحة صراع صامت. في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال: كيف اخترق الخصم؟ بل: لماذا بات الاختراق ممكناً إلى هذا الحد؟
اللافت أن المشهد تكرر قبل ذلك مع حادث تحطم طائرة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، الذي أحاطته تكهنات واسعة بشأن طبيعته، وإن لم تُحسم رسمياً. تكرار الضربات النوعية في رأس الهرم، وبالوتيرة ذاتها تقريباً، يفرض قراءة تتجاوز البعد العسكري إلى أزمة بنيوية في منظومة الحكم.
إقليمياً، لا يمكن إنكار أن سياسات التمدد عبر الأذرع المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن أسهمت في استنزاف طويل الأمد. ما قُدّم باعتباره “عمقاً استراتيجياً” تحوّل مع الوقت إلى عبء ثقيل، يستهلك الموارد ويستدعي ردود فعل متصاعدة. واليوم، مع اتساع دائرة المواجهة، تبدو كلفة تلك الاستراتيجية مضاعفة.
غير أن الأهم يبقى البعد الداخلي. فالدولة التي لا تؤسس مشروعها على عقد اجتماعي متين، بل على توازنات أمنية ضيقة، تظل عرضة لاهتزازات عنيفة عند أول اختبار وجودي. ما جرى ليس فقط نتيجة ضربة خارجية دقيقة، بل حصيلة مسار طويل من الانغلاق والتصلب.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل جديدة، بلا شك. لكن التجربة الإيرانية، بكل تعقيداتها، تقدّم درساً يتجاوز حدودها: الشرعية الداخلية ليست تفصيلاً ثانوياً في معادلة القوة، بل شرطها الأول. وحين تُستبدل السياسة بالقمع، والحوار بالإقصاء، يصبح الخطر كامناً في الداخل بقدر ما يأتي من الخارج.
أسئلة كثيرة ستبقى مفتوحة. غير أن الثابت أن الأنظمة لا تسقط فقط بصواريخ الخصوم، بل أحياناً بالشقوق التي تتكوّن في جدرانها من الداخل، بصمتٍ طويل، قبل أن يظهر صدعها الكبير على الملأ.






