الرئيس أحمد الشرع في ألمانيا

تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين، بعد أن تأجلت مرتين سابقاً، لتشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات السورية–الأوروبية، ولتفتح أبواب دمشق على مصراعيها أمام الشركات الألمانية والاستثمارات في مشاريع إعادة الإعمار.
هذه الزيارة، التي تأجلت مجدداً ليوم واحد لدواعٍ أمنية وتقنية، تحمل في طياتها دلالات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، تجعل منها حدثاً نوعياً بكل المقاييس.
وقد أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس الشرع سيزور ألمانيا وبريطانيا في أول زيارة رسمية له إلى هذين البلدين منذ وصوله إلى الحكم، مؤكدة أن جدول الأعمال يتضمن لقاءات رفيعة المستوى مع المستشار الألماني فريدريش ميرتز وكبار قادة الصناعة والطاقة، إضافة إلى المشاركة في منتدى اقتصادي يبحث آفاق الانتعاش الاقتصادي وإعادة إعمار سوريا.

أولاً، التوقيت:

الزيارة تأتي بعد عام من الانفتاح التدريجي بين دمشق والعواصم الأوروبية، وبعد أن أعادت ألمانيا فتح سفارتها في دمشق، فيما افتتحت سوريا قنصليتها العامة في بون. هذا التوقيت يعكس رغبة الطرفين في الانتقال من مرحلة التواصل الأولي إلى مرحلة الشراكة العملية، خصوصاً أن ألمانيا تقود أوروبا اليوم وتملك واحداً من أقوى اقتصادات العالم، ما يجعلها شريكاً أساسياً في أي مشروع لإعادة إعمار سوريا.

ثانياً، الوفد المرافق:

اصطحاب وزير الطاقة، وزير الاقتصاد، ورئيس هيئة الاستثمار يكشف طبيعة الملفات التي تحملها دمشق إلى برلين: الطاقة، الاستثمار، وإعادة الإعمار. هذه الملفات ليست تفصيلية، بل هي جوهر مشروع “سوريا الجديدة” الذي يسعى الرئيس الشرع لتسويقه أمام الشركاء الأوروبيين، في وقت تبحث فيه ألمانيا عن بدائل للطاقة وعن حلول عملية لملف اللاجئين السوريين الذين تستضيف منهم نحو مليون شخص.

ثالثاً، التأجيل الأمني:
إعلان برلين عن تأجيل الزيارة من الاثنين إلى الثلاثاء بسبب تحديث البروتوكولات الأمنية لا يمكن قراءته إلا كوثيقة اعتراف بوزن الشرع السياسي. فحين تستنفر دولة بحجم ألمانيا أجهزتها الأمنية لتأمين زيارة رئيس عربي، فهذا يعني أن الرجل بات يُعامل كـ”مركز ثقل” إقليمي ودولي، وأن الملفات التي يحملها – من الطاقة إلى اللاجئين – هي ملفات مصيرية لأوروبا. إشاعات “الإلغاء” التي روجتها بعض النخب المعارضة سرعان ما تهاوت أمام تأكيد الخارجية الألمانية أن الزيارة قائمة في موعدها المعدل، وأن جدول الأعمال يتضمن لقاءات رفيعة المستوى مع المستشار ميرتز وكبار قادة الصناعة والطاقة.

رابعاً، الدلالات السياسية والاقتصادية:
الشرع يبدأ جولته الأوروبية من برلين، العاصمة التي تستضيف أكبر جالية سورية في الاتحاد الأوروبي، ما يجعل ملف اللاجئين جزءاً أساسياً من الحوار. كما أن المشاركة في المنتدى الاقتصادي وزيارة كبرى الشركات والمصانع الألمانية تحمل دلالة على أن العلاقة لم تعد محصورة في الجانب الإنساني أو الأمني، بل تتجه نحو شراكة اقتصادية طويلة الأمد.
بالنسبة للسوريين، الزيارة تعني أن القيادة الجديدة تتحرك لإعادة بناء الدولة عبر شراكات دولية، أما بالنسبة للأوروبيين فهي إشارة إلى أن دمشق تريد أن تكون شريكاً لا عبئاً، وأنها مستعدة للانخراط في النظام الدولي وفق قواعد جديدة.

يمكن القول إن زيارة الشرع إلى برلين، حتى مع تعديل موعدها، هي اختبار مزدوج: اختبار لقدرة القيادة السورية الجديدة على تقديم رؤية اقتصادية وسياسية مقنعة للشركاء الأوروبيين، واختبار لأوروبا في مدى استعدادها لتحويل خطاب “الدعم الإنساني” إلى استثمار سياسي واقتصادي طويل الأمد.

التأجيل الأمني ليس ضعفاً، بل اعترافاً بوزن الرجل وبخطورة الملفات التي يحملها، وهو ما يجعل هذه الزيارة محطة مفصلية في علاقة دمشق بأوروبا، من الانفتاح الحذر إلى الشراكة الفعلية.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top