خريطة الشرق الأوسط

في مشهد يعيد رسم تحالفات المنطقة بطريقة لم نشهدها منذ عقود، تلوح في الأفق ملامح حرب إقليمية قد لا تكون كسابقاتها. فخلال ساعات، تبلورت مؤشرات خطيرة: فبعد يوم واحد فقط من إعلان العراق تفويض «الحشد الشعبي» للرد على الاستهدافات الأمريكية، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر قنوات دبلوماسية مكثفة في واشنطن، داعية إلى «استمرار الحرب للوصول إلى نتيجة حاسمة ضد إيران»، فيما أعلنت أنظمة دفاعها الجوي حالة التأهب القصوى لاعتراض الصواريخ الباليستية.
 
هذا التوقيت المتزامن هو مؤشر على أن الحرب التي كانت محصورة في إطار «الردع» بدأت تتحول إلى صراع مكشوف، وأن الساحة العربية لم تعد مسرحاً للصراع بالوكالة، لأنها أصبحت طرفاً فيه بمعسكرات متقاطعة. الإمارات تقف إلى جانب التحالف الأمريكي الإسرائيلي، بينما العراق  يتجه نحو الاصطفاف مع إيران وروسيا. المعنى المباشر: نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، حيث تتصادم دول عربية مع بعضها البعض، وليس فقط مع إيران.
 
هذا التطور بخطورته مؤسف في عمقه، لأنه يكسر المقولة التقليدية التي طالما روجت بأن الصراع محصور بين محور وآخر، ليكشف أن الخندق الواحد ما عاد موجوداً، وأن المنطقة مقبلة على إعادة ترتيب عنيف.
 
الجبهات المفتوحة: من جزيرة خارك إلى باب المندب
في الطرف الآخر، أطلقت إيران تهديداً صريحاً: إذا نفذت أمريكا أو إسرائيل عملية برية للسيطرة على جزيرة خارك أو أي نقطة استراتيجية، فإن طهران ستفتح جبهة باب المندب. وبعد ساعات، خرج الحوثي ليترجم التهديد الإيراني عملياً، محذراً من أن أي توسع للحرب على إيران سيعني دخوله المباشر.
 
هنا تكمن المفارقة الخطيرة: إدارة ترامب تبدو غير مستعجلة على الضربة البرية، لكنها لم تلغيها. التأجيل خمسة أو عشرة أيام  هو «تهيئة للأرضية»، ربما بالتنسيق مع روسيا لرسم ملامح تسوية تحقق المصالح الأمريكية في المنطقة دون حرب شاملة. ولكن السؤال: هل ستنجح التسريبات الدبلوماسية في احتواء ما لا يمكن احتواؤه؟
 
إذا حدثت العملية البرية، سيدخل الحوثي الحرب رسمياً، وهنا لن يكون السيناريو مقتصراً على جبهة واحدة. دول الخليج، خصوصاً السعودية، ستجد نفسها مضطرة للدخول.. إما عبر التحالف العسكري القائم، أو عبر الاضطرار الجغرافي والأمني. وما يزيد تعقيداً أن البنية التحتية للنفط والاستقرار في الخليج ستتحول إلى خط مواجهة مفتوح.
 
سوريا: بين مطرقة السيناريو الأسوأ وسندان الحياد الإجباري
إذا ما انفجرت هذه الحرب، فإن سوريا ستكون واحدة من أكثر الأوراق تأثراً، وربما الأكثر خطورة. فأي تصعيد إقليمي واسع سيضع سوريا أمام معادلة صعبة: هي جزء جيوستراتيجي من جهة، لكنها تعاني من استنزاف داخلي واقتصادي لا يحتمل حربا إضافية من جهة أخرى.
 
انعكاسات الحرب على سوريا ستكون كارثية إذا ما تمت:
 سوريا اليوم تعيش مرحلة انتقالية هشة، تعتمد فيها على دعم إقليمي ودولي متباين. أي تصعيد إقليمي واسع سيعرض هذه المرحلة للانهيار، حيث ستواجه دمشق الجديدة ضغوطاً هائلة إما بالانحياز لأحد الأطراف (وهو ما قد يفقدها الدعم العربي والغربي الذي تحاول بنائه) أو بالبقاء على الحياد (وهو ما قد يعرضها لاستهداف مباشر من إيران أو حلفائها الذين يرون فيها خسارة استراتيجية).
 
كيف يمكن لسوريا تجنب هذه الحرب؟
الموقف السوري في حال نشوب حرب إقليمية مفتوحة سيكون أشبه بالسير على حبل مشدود. لتجنب الانزلاق الكامل، تحتاج دمشق إلى:
1. تفعيل الحياد الإيجابي: عبر إعلان موقف واضح بأن سوريا ليست طرفاً في الحرب، والتركيز على «حماية السيادة» دون الدخول في مناوشات إقليمية مفتوحة.
2. الانفتاح على التسويات مع الدول العربية المعنية: خصوصاً دول الخليج، بوساطة عربية تمنع تحول الأراضي السورية إلى ساحة تصفية حسابات.
3. الفصل بين الملف الإيراني والملف السوري: عبر رسائل غير مباشرة للولايات المتحدة بأن سوريا لن تكون منصة لهجمات على القواعد الأمريكية أو حليفاتها، مقابل عدم استهداف بنيتها التحتية.
4. الاستفادة من الدور الروسي: كضامن رئيسي لعدم توسع الحرب جغرافيا إلى سوريا، عبر تفعيل اتفاقيات «تجنب التصادم» مع الجانب الأمريكي.
 
خلاصة الخلاصة:
ما نشهده هو إعادة هيكلة للصراع الإقليمي. الإمارات والعراق طرفان فاعلان في معادلة الحرب المقبلة. وإذا ما انفجرت الأوضاع، فإن سوريا ستكون الورقة الأكثر احتراقاً، ما لم تنجح في استراتيجية ذكية تقوم على الحياد الواقعي، والانفتاح المتوازن، والرهان على دور روسيا كمانع للانزلاق الكامل.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top