الناشط السوري شاكر المقداد من بصرى الشام

في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، تنقل الصحفية بثينة الخليل، في مقابلة خاصة لمؤسسة جولان الإعلامية، شهادة مؤثرة للإعلامي مقداد، ابن مدينة بصرى الشام (مواليد 1990)، يستعيد فيها بدايات الحراك الثوري وتجربته في التوثيق تحت الخطر.

يروي مقداد كيف تداخلت حياته بين الدراسة والعمل، إذ كان يدرس في معهد متوسط – فرع الميكانيك، بالتوازي مع عمله لتأمين مصاريفه، قبل أن يتزامن تخرجه عام 2011 مع اندلاع الثورة السورية. في تلك المرحلة، كان مطلوباً للخدمة العسكرية، ما اضطره للبقاء داخل مدينته وتقييد حركته، بالتزامن مع خروج أولى المظاهرات دعماً لمدينة درعا.

ويشير إلى أن الحراك في بصرى الشام بدأ بشكل عفوي، كـ”فزعة” لنصرة المناطق المحاصرة، قبل أن يتطور تدريجياً مع تصاعد الأحداث. ويؤكد أن المظاهرات في بداياتها كانت سلمية، إلا أنها واجهت اعتداءات من مجموعات موالية للنظام، استخدمت الحجارة وأحياناً السلاح لتفريق المتظاهرين.

بين الكاميرا والرصاص

يستذكر مقداد بداياته في التوثيق، حيث استخدم هاتفاً بسيطاً لتصوير مظاهرة ليلية قرب أحد معالم المدينة، رغم وجود عناصر للنظام في المكان. ويقول إنه حاول الاقتراب قدر الإمكان لتوثيق ما يجري، رغم المخاطر المحدقة به.

لاحقاً، انخرط مع عدد من أصدقائه في العمل الإعلامي ضمن “لجان التنسيق المحلية”، حيث تولى مهمة التصوير، فيما تكفّل آخرون بالتواصل ونشر المواد عبر الإنترنت.
ويضيف:
“لم أكن أدرك حجم الخطر في البداية، لكن كان هناك دافع داخلي يدفعني للتوثيق، خاصة مع غياب التغطية الإعلامية لما كان يحدث على الأرض”.

بصرى الشام: حين تتحول الآثار إلى ساحة صراع

يتحدث مقداد عن خصوصية مدينته، التي تضم مواقع أثرية بارزة، أبرزها القلعة التاريخية، والتي تحولت في بدايات الحراك إلى نقطة تجمع للمظاهرات. إلا أن تمركز قوات النظام داخلها دفع المتظاهرين إلى نقل نشاطهم إلى أحياء أخرى، حيث أُنشئت “ساحة الحرية”.

ومع تصاعد العمليات العسكرية، تعرضت المدينة لاقتحامات متكررة، أدت إلى تهجير شبه كامل لسكان الحي القديم، وتحوله إلى منطقة مدمّرة.
ويقول:
“لم يميز القصف بين البشر والحجر… تحولت الأحياء إلى ركام، والبيوت إلى حجارة”.

مشاهد لا تُنسى

من أكثر اللحظات قسوة، يروي حادثة اقتحام الحي القديم، حيث اضطر للاختباء لساعات طويلة تحت القصف، قبل أن يخرج ليجد الحي مدمراً بالكامل.

ويتابع بصوت مثقل:
“وجدت جاري، وهو مؤذن المسجد، مذبوحاً… رفض مغادرة منزله فدفع حياته ثمناً”.

كما يتحدث عن لحظات العجز، حين لم يتمكن من رفع الكاميرا لتوثيق ما يجري بسبب شدة الخوف، مؤكداً أن أصعب ما واجهه لم يكن الخطر بحد ذاته، بل الشعور بالعجز عن نقل الحقيقة.

فقدان رفاق درب الحرية

لم تقتصر الخسائر على الدمار، بل فقد مقداد عدداً من أصدقائه وزملائه، بين من قُتل ومن اضطر إلى مغادرة البلاد. ويستذكر أحد أصدقائه الذي قرر الرحيل مبكراً، متوقعاً أن الصراع سيطول، وهو ما تحقق لاحقاً.

تطور الأدوات… وثبات الرسالة

بدأ مقداد عمله بهاتف بسيط، قبل أن يحصل لاحقاً على كاميرا ومعدات أفضل عبر التنسيقيات، ما ساعده على تطوير أدائه الإعلامي، رغم بقاء الإمكانيات محدودة مقارنة بحجم الأحداث.

بين الاستقلالية والاتهامات

بعد عام 2018، ومع تغير الواقع الميداني والسياسي، واجه مقداد اتهامات مختلفة بسبب بقائه في المدينة. ويؤكد أن الحفاظ على الاستقلالية كان تحدياً كبيراً، إلا أنه سعى للاستمرار في نقل ما يشاهده بصدق، رغم الضغوط.

اليوم: ذاكرة مثقلة ورسالة مستمرة

عند عودته إلى أحياء مدينته القديمة، لا يرى مقداد سوى آثار الدمار وذكريات الطفولة التي تحولت إلى أطلال.
“الأماكن التي كبرنا فيها لم تعد كما كانت… كل شيء تغيّر”، يقول بحزن.

ورغم كل التحولات، يؤكد أن دور الناشط الإعلامي قد يتغير شكلاً، لكنه يجب أن يبقى ثابتاً في جوهره: نقل الحقيقة.

ويختم رسالته قائلاً:
“علينا ألا نصمت عن الخطأ، أيّاً كان مصدره. لا نريد أن نكرر التجربة نفسها. بناء بلد عادل يبدأ بالمحاسبة، لا بالتطبيل”.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top