العميد رياض الاسعد محمولا على الأكتاف في درعا في ذكرى الثورة الخامسة عشرة خاص مؤسسة جولان

في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، لا يكفي أن نعيد سرد الحكاية كما لو كانت حدثًا عابرًا في ذاكرة الشعوب، ولا أن نكتفي باستحضار البدايات بوصفها طقسًا سنويًا نؤديه ثم نمضي. فالثورة، في جوهرها، ليست ذكرى تُستعاد، بل مسؤولية تُحمل، وسؤال مفتوح على الضمير: كيف نصون ثِقَل الدماء التي سُفكت على مذبح الحرية؟ وكيف نحفظ معناها من التآكل في زحام الأيام القاسية؟

ليست الأهازيج، على جلال رمزيتها، كافية. ولا يكفي أن نخرج إلى الشوارع لنقول إننا أحيينا الذكرى. فالصوت الذي صدح يوماً للحرية، لم يكن مجرد حنجرة، بل كان وجعاً حيًّا، وإرادة شعب أراد أن يستعيد إنسانيته. اليوم، ونحن نقف بعد أكثر من عام على لحظة مفصلية أعادت شيئاً من كرامة السوريين، ينبغي أن نسأل بجرأة: أين نحن من تلك التضحيات العظيمة؟ وهل تعافى الإنسان السوري فعلًا؟

الحقيقة المرة أن التعافي لم يكتمل، وربما لم يبدأ بعد بالمعنى العميق. فما تزال آثار السجون عالقة في الذاكرة، وما يزال صدأ المعتقلات ينخر في الأرواح، وما تزال معاناة العوز والجوع تفتك بما تبقى من قدرة الناس على الحلم. وهذا، وإن بدا طبيعياً في سياق ما مرّ به السوريون، إلا أنه يحمل في طياته خطراً أكبر: أن تمر هذه الذكرى العظيمة وفي النفوس شيء من الانطفاء، أن تخفت الشعلة التي أوقدها الدم، وأن تُثقل الذاكرة حتى تعجز عن النهوض.

إن أكثر ما ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس شكل الاحتفاء، بل مضمونه. أن تمر الذكرى باهتة في قلب سوري واحد، فذلك كافٍ لأن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا، إلى التوقف قليلاً والتفكير: هل أوفينا للتضحيات حقها؟ هل جعلنا من الحرية واقعاً يُعاش، أم تركناها شعاراً يُردّد؟

المشهد، رغم كل شيء، ليس سوداوياً. لا يمكن إنكار الفارق الجوهري بين ما قبل تلك اللحظة الفارقة وما بعدها،بأي حال، أن نقارن بين ما قبل 8 كانون الأول 2024 وما بعده. لقد استعيدت الكرامة، وانفتحت أمام السوريين صفحات جديدة في حكايتهم الطويلة. لكن هذه الصفحة، مهما كانت واعدة، لن تُكتب وحدها، بل تحتاج إلى وعي جماعي يرفع صوت المصلحة العامة فوق كل اعتبار: أن نُقدّم المصلحة العامة على الخاصة، وأن نكفّ عن استهلاك الشعارات التي أرهقت الناس دون أن تُطعم جائعاً أو تُدفئ بيتاً.

لقد ملّ السوريون من الكلام الكبير الذي لا يترجم إلى حياة كريمة. يريدون خبزاً متاحاً، وغازاً لا يُرهق، وكهرباء تُنير بيوتهم دون فواتير باهضة، وماءً يصل إلى قراهم المنسية. يريدون أن يُعاد بناء ما تهدّم، أن تعود المدن نابضة بالحياة، أن تُعاد الحياة إلى دير الزور، وأن يُرمّم “الجسر المعلق”، لا بوصفه بنية تحتية فقط، بل كرمز لوصل ما انقطع بين الناس.

يريد السوري أن يعود سورياً كما كان: أن يسافر بلا خوف، أن يلتقي بأبناء بلده على اختلافهم، أن تعود الأمسيات الثقافية، وأن تتلاقى اللهجات والوجوه في فضاء واحد اسمه سوريا. يريد وطناً لا يُقصي أحداً، وطناً يتسع للجميع، ويُعيد للإنسان قيمته بوصفه إنساناً أولاً، أن أذهب إلى السويداء كما كنت أفعل قبل 2011، أن نحيي الأمسيات الشعرية فيها، أن يأتي صديقي من الساحل ليجلس معي في القنيطرة و”يتذوق المليحي”، أن أستقبل الكردي في دمشق دون حواجز، وأن نذهب معاً إلى فعالية ثقافية في مدينة سورية لا تسألنا من أين جئنا، بل ترحب بنا لأننا سوريون فقط.

في هذه الذكرى، لا نحتاج فقط أن نتذكر، بل أن نُعيد تعريف الوفاء: أن نجعل من الحرية خبزاً يومياً، ومن الكرامة أسلوب حياة، ومن الوطن بيتاً حقيقياً لكل أبنائه. هذا وحده ما يُبقي الدم حيّاً في الذاكرة، وما يمنح الثورة معناها الذي لا يزول.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top