محمد أيمن شيخ موسى، المعروف بالاسم الثوري يامن أحمد، يستعرض في مقابلة خاصة لمؤسسة جولان الإعلامية أجرتها الصحفية بثينة الخليل جانباً من تجربته في البدايات الأولى للحراك الثوري السوري عام 2011، متحدثاً عن كواليس إطلاق الصفحات الأولى التي دعت إلى التظاهر والظروف التي سبقت اندلاع الاحتجاجات، ومسلطاً الضوء على دور النشطاء في تلك المرحلة المفصلية.
يقول شيخ موسى، وهو معتقل سابق في فرع المنطقة ومغترب منذ عام 1996 ويقيم حالياً في دولة قطر حيث يعمل مديراً لشركة تجارية، إنه نشأ في أسرة ذات تاريخ معارض للنظام السوري. فقد كان والده معارضاً للنظام ومبعداً عن العمل السياسي منذ انقلاب حافظ الأسد، كما أن جده كان أحد رموز الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي. أما جده من جهة الأم، الشيخ محمد أبو الخير الميداني، فكان من أبرز المحرضين والداعمين الدينيين لتلك الثورة.
ويشير إلى أن حاله لم يكن مختلفاً عن حال ملايين السوريين الذين كانوا يبحثون عن مخرج للخلاص من واقع سياسي اتسم، بحسب وصفه، بالفساد وهيمنة النظام على مختلف مفاصل الحياة. ويضيف أن السوريين ظلوا يبحثون عن وسيلة للتغيير، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الفكرة الجامعة التي يمكن أن توحدهم.
مع اندلاع الربيع العربي، بدأت تلك الفكرة تتبلور. ويقول إن الثورة المصرية تحديداً كانت مصدر إلهام كبير للسوريين، نظراً إلى القرب الاجتماعي والثقافي بين الشعبين، معتبراً أن ما حدث في مصر شكّل “الرافعة التي دفعت السوريين إلى التفكير جدياً بالتخطيط لثورة في سوريا”.
بحكم اغترابه وطبيعة عمله التي تتطلب السفر المستمر، يوضح شيخ موسى أنه كان يراقب تطور العالم ويقارن ذلك بما يجري في سوريا، التي بقيت – وفق وصفه – أسيرة الوعود السياسية وتوسيع السجون والمعتقلات بدلاً من تطوير مؤسسات الدولة. ويضيف أن النظام كان يعمل على إقصاء الكفاءات والمثقفين واستبدالهم بالمخبرين، في ظل واقع من الفساد والمحسوبيات.
من هنا بدأت الفكرة. فقد شرع بالدخول إلى صفحات الثورات في مصر وليبيا وتونس على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ بمراسلة السوريين المشاركين فيها. ومن خلال تلك النقاشات، تم الاتفاق على إنشاء صفحة بعنوان “يوم الغضب السوري”، واختيار 5 شباط/فبراير 2011 موعداً أولياً للخروج في مظاهرات داخل سوريا.
لكن المحاولة الأولى لم تنجح في دفع السوريين للنزول إلى الشارع في ذلك اليوم. ويقول شيخ موسى إن سقوط الرئيس المصري حسني مبارك في 11 شباط/فبراير 2011 أعاد الأمل للسوريين، ورسّخ قناعة لدى كثيرين بأن إسقاط الأنظمة يحتاج إلى تضحيات.
اتفق مع عدد من الناشطين الذين تعرّف إليهم عبر صفحة “يوم الغضب” على الانتقال إلى خطوة أكثر وضوحاً، فتم إنشاء صفحة جديدة حملت اسم “الثورة السورية ضد بشار الأسد” بشكل صريح. وقد تأسست الصفحة في 18 شباط/فبراير 2011، وبعد أيام قليلة جرى تحديد 15 آذار/مارس 2011 موعداً لبدء المظاهرات في سوريا.
ويؤكد شيخ موسى أن الصفحة شهدت نمواً سريعاً في عدد المتابعين رغم محدودية الإمكانات، إذ لم يكن هناك فريق عمل منظم أو مصممون، وكان العمل يتم بجهود بسيطة وأدوات محدودة.
خطة تضليل الأجهزة الأمنية: كواليس التحضير ليوم 15 آذار
ويكشف شيخ موسى أن التحضير لمظاهرة 15 آذار لم يكن عفوياً كما تصوره بعض الروايات، بل سبقته عملية تنظيم وتخطيط جرت قبل يوم واحد من الموعد المحدد. فبحسب روايته، وُضعت خطة هدفت إلى تضليل الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب صفحات التواصل الاجتماعي والنقاشات المرتبطة بالدعوات للتظاهر.
ويشير إلى أنه جرى الإيحاء عبر النقاشات العلنية بأن التجمع سيحدث في نقاط مركزية مثل ساحة الأمويين أو ساحة الميسات، في محاولة لتشتيت انتباه الأجهزة الأمنية. وفي الواقع، كان هناك اتفاق مسبق بين مجموعة منظمة قوامها نحو 500 شخص على أن تكون نقطة الانطلاق الفعلية من باب الجامع الأموي في دمشق.
ويضيف أن اختيار الموقع جاء لأسباب استراتيجية، أبرزها الكثافة البشرية الكبيرة في المنطقة نتيجة حركة المارة والمصلين، ما يتيح إمكانية التجمع دون لفت الانتباه سريعاً. كما أن قرب المكان من سوق الحميدية كان يوفر مساراً مناسباً للانسحاب والتفرق في حال تدخلت قوات الأمن أو حاولت تفريق المتظاهرين.
وبحسب روايته، نجحت الدعوات عبر الصفحة في الخروج بأولى المظاهرات في سوق الحميدية بدمشق، تلتها وقفات احتجاجية في ساحة المرجة، قبل الإعلان عن أول يوم جمعة للتظاهر تحت اسم “جمعة الكرامة”.
في تلك الفترة كانت الأحداث تتصاعد في درعا بعد اعتقال أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام السابق، ما أدى إلى خروج احتجاجات واسعة في المدينة. ويشير شيخ موسى إلى أن مظاهرة خرجت أيضاً من المسجد الأموي في دمشق، بالتزامن مع سقوط أول شهيدين في درعا.
ويقول إن الأمر لم يكن مفاجئاً بالنسبة له، نظراً لما يعرفه عن طبيعة نظام الأسد الأمنية، مضيفاً: “كنت أعلم أن مليون مظاهرة لن تسقط نظاماً يمتلك 17 جهازاً أمنياً، لكل منها فروعه في المدن والقرى، ويملك المال والسلطة والجيش”.
مع بداية الاحتجاجات، بدأ شيخ موسى بتدوين ملخصات يومية للأحداث وتوثيق التطورات الميدانية. ومع تسارع الأحداث، ازداد اقتناعه بصعوبة إسقاط النظام عبر الوسائل السلمية وحدها، من دون أن يدعو إلى العنف.
لاحقاً أنشأ صفحة بعنوان “الجيش السوري الحر – الجناح الإلكتروني”، بالتزامن مع بداية الانشقاقات في صفوف الجيش، والتي يعتبر أن أولى بوادرها كانت مع انشقاق المجند وليد القشعمي عن الحرس الجمهوري.
ويرى أن تلك الانشقاقات فتحت الباب أمام انضمام ضباط وعسكريين إلى صفوف المعارضة، بهدف حماية المظاهرات السلمية.
كما يوضح أنه تواصل لاحقاً مع عدد من الضباط المنشقين، بينهم العقيد رياض الأسعد والرائد ماهر النعيمي، إضافة إلى عبد الرزاق طلاس ومحمد طلاس، واتجه إلى توثيق النشاط العسكري والميداني، إلى جانب توثيق أسماء آلاف القتلى من ضباط وجنود الجيش السوري، وكذلك تسجيل الانتهاكات والمجازر التي وقعت خلال سنوات الصراع.
ويكشف شيخ موسى أنه استخدم اسماً مستعاراً آخر على مواقع التواصل الاجتماعي، مع صورة وشعار يوحيان بأنه من مؤيدي النظام، ما مكّنه – بحسب قوله – من الحصول على معلومات تتعلق بتحركات الجيش وخطط العمليات. ويؤكد أنه كان يرسل تلك المعلومات إلى قادة الجيش الحر، مشيراً إلى أنه حصل على تفاصيل تتعلق بعمليات عسكرية في مناطق عدة، بينها القابون وداريا وجوبر والساحل وحمص وحماة وحلب.
ويضيف شيخ موسى أنه شارك بشكل مباشر في عدة معارك عسكرية بريف حماه، من بينها تحرير جسر الشغور، سهل الغاب، وأريحا، فضلاً عن معارك متعددة في مختلف مناطق ريف حماه، وأيضاً في مورك. ويقول إنه لا يتذكر كل المعارك التي خاضها، لكنه يوضح أن مشاركته كانت مستمرة ومتنوعة خلال تلك المرحلة.
كما شارك، بالتعاون مع عدد من أبناء حارته في دمشق، في تأسيس أول كتيبة في حي الصالحية حملت اسم “شهداء الصالحية”، وكان من بين المشاركين في تأسيسها إبراهيم الحناوي.
ويختتم شيخ موسى حديثه بالإشارة إلى أن تلك المرحلة كانت بداية مسار طويل من الأحداث التي غيرت تاريخ سوريا، مؤكداً أن ما جرى لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من الاحتقان السياسي والاجتماعي.
- بثينة الخليل







