منذ اندلاع الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، انشغل الشارع العربي بجدل واسع حول طبيعة هذه الحرب وتداعياتها المحتملة.
إيران تحولت خلال العقود الماضية إلى قوة إقليمية ذات أذرع ميليشياوية ممتدة في أكثر من بلد عربي، حيث لعبت دورًا مباشرًا في إجهاض مشاريع النهضة والحرية، وأثرت بعمق في مسارات الصراع في سورية ولبنان واليمن والعراق.
لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل سيفرح العرب بسقوط نظام ولاية الفقيه، أم أن تداعيات الحرب ستطال المنطقة بأسرها وتفتح أبوابًا جديدة للفوضى وعدم الاستقرار؟
في سورية، ارتبط اسم إيران بالدمار والخذلان، إذ دعمت النظام البائد في مواجهة ثورة شعبية طالبت بالحرية والكرامة، وأرسلت ميليشياتها لتشارك في قمع وقتل السوريين.
هذا الدور جعل كثيرًا من السوريين ينظرون إلى أي ضربة ضد إيران باعتبارها انتقامًا مؤجلًا وفرصة لتخفيف القبضة التي ساهمت في إطالة عمر النظام البائد.
وفي لبنان، ارتبط النفوذ الإيراني بحزب الله، الذي تحوّل من مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى قوة داخلية تفرض هيمنتها على القرار السياسي، مما أدى إلى شلل الدولة وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
أما في اليمن، فقد كان دعم إيران للحوثيين سببًا رئيسيًا في إطالة أمد الحرب وتفاقم المعاناة الإنسانية، وهو ما جعل كثيرًا من اليمنيين يرون في إضعاف إيران فرصة لإنهاء مأساة طويلة.
لكن في المقابل، هناك مخاوف حقيقية لدى الشارع العربي من أن يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى تداعيات غير محسوبة. فإيران، رغم عدائها الواضح لمصالح العرب، كانت تشكّل عامل توازن إقليمي يقلق إسرائيل ويحدّ من هيمنتها المطلقة. وإذا ما انهار هذا النظام فجأة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم الخرائط السياسية، حيث يمكن أن تستغل إسرائيل والولايات المتحدة الفراغ لتعزيز نفوذهما، وربما فرض ترتيبات إقليمية لا تخدم بالضرورة مصالح الشعوب العربية.
كما أن انهيار دولة بحجم إيران قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وحروب أهلية تمتد آثارها إلى دول الجوار، بما فيها العراق ودول الخليج، وهو ما يثير قلقًا مشروعًا لدى كثير من المراقبين.
الشارع العربي، إذًا، يعيش بين مشاعر متناقضة: فرح محتمل بسقوط نظام ولاية الفقيه الذي ألحق أذى مباشرًا بالعرب، وقلق من أن تكون هذه الحرب بداية فوضى جديدة تعيد إنتاج الأزمات بدلًا من حلّها.
فبينما يرى البعض أن إزالة النظام الإيراني قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر حرية واستقرارًا، يحذّر آخرون من أن غياب هذا النظام قد يطلق سباقًا إقليميًا على النفوذ، ويجعل المنطقة أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية.
يمكن القول إن الموقف العربي من الحرب على إيران ليس موقفًا موحدًا، بل هو خليط من الأمل والقلق؛ من الرغبة في التحرر من نفوذ مؤلم، والخوف من تداعيات قد تكون أكثر خطورة من الواقع الحالي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستشكّل هذه الحرب بداية لشرق أوسط جديد أكثر عدلًا وحرية، أم أنها ستعيد إنتاج دوامة الصراع التي أنهكت المنطقة لعقود طويلة؟
- بلال محمد الشيخ






