في كثير من المؤسسات الحكومية، يبدو أن القرابة أهم من الكفاءة، وأن المنصب العام أصبح امتيازًا عائليًا أكثر من كونه مسؤولية وطنية. حين تُفتح أبواب الدولة أمام الأقارب فقط، تتراجع العدالة، ويضعف الأداء، وتتهاوى ثقة المجتمع بالمؤسسات. هذه هي حقيقة المحسوبية التي تهدد أي دولة حديثة.
المؤسسات الحكومية الحديثة تقوم على مبدأ الجدارة والكفاءة. المفترض أن الوصول إلى المناصب يكون بناءً على الخبرة والمؤهلات، لا على صلة الدم أو القرابة. لكن الواقع يظهر أن الترقيات والتعيينات غالبًا ما تُمنح للأقارب، ما يحرم الكفاءات الحقيقية من فرصها، ويخلق شعورًا بالظلم بين الموظفين. هذا الشعور ليس مجرد إحباط، بل يؤدي إلى انتشار ثقافة أن “الواسطة” أهم من الجهد والعمل الجاد”.
الأداء الإداري… ضحية المحسوبية
عندما يتم تعيين شخص غير مؤهل، تتراجع جودة الأداء الإداري بسرعة. مشاريع حيوية تتعطل، موارد الدولة تُهدر، وقرارات مهمة تُتخذ دون دراسة كافية. والأسوأ من ذلك، أن المصلحة العائلية قد تتعارض مع المصلحة العامة، ما يفتح الباب أمام الفساد المالي والإداري ويهدد استقرار المؤسسات.
بيئة العمل… من الإبداع إلى الإحباط
الموظفون الأكفاء يشعرون بالإحباط، وتضعف روح المنافسة الإيجابية. ثقافة الاعتماد على القرابة بدلاً من الكفاءة تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وانتشار الاتكالية، وفقدان المبادرة. هذا يعني أن الدولة تخسر أهم مواردها: طاقتها البشرية المؤهلة والقادرة على الابتكار واتخاذ القرار الصحيح.
سمعة الدولة وثقة المجتمع
المؤسسات الحكومية ليست مجرد هيئات، بل واجهة الدولة أمام المواطنين والمجتمع الدولي. انتشار المحسوبية يضعف الثقة الداخلية والخارجية، ويجعل المواطنين والمستثمرين يشكون في قدرة الدولة على إدارة مواردها بعدالة. الدولة التي يُنظر إليها على أنها تمنح المناصب للأقارب لا الأكفاء، تفقد مصداقيتها وتعرّض استقرارها الاقتصادي والاجتماعي للخطر.
لمواجهة هذه الظاهرة، يجب اعتماد معايير واضحة وشفافة للتعيين والترقية، مع مسابقات مفتوحة لكل المناصب، ورقابة مستقلة لضمان تطبيق العدالة. كما يجب نشر ثقافة المحاسبة والمساءلة بين المسؤولين، ليصبح المنصب العام أمانة ومسؤولية، لا امتيازًا عائليًا.
تعيين الأقارب في المناصب الحكومية ليس مجرد خلل إداري، بل تهديد مباشر للدولة، للمواطن، وللمستقبل. الدولة القوية هي التي تصل فيها المناصب إلى الأكفأ، وليس الأقرب. الكفاءة والنزاهة والجدارة يجب أن تكون معايير الاختيار الأولى والأخيرة. المنصب العام هو أمانة ومسؤولية، ومن يتعامل معه بخلاف ذلك يعرّض الدولة بأكملها للخطر.






