الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

لطالما كانت دمشق وحلب والمدن السورية الكبرى محط أنظار المستشرقين والرحالة، الذين سحرهم مزيج الروحانية والبهجة التي تغمر الشوارع في شهر رمضان. وقد وثّق هؤلاء رحلاتهم بتفاصيل دقيقة تبدأ من مراقبة الهلال وتصل إلى “المسحراتي” والأجواء الاجتماعية المميزة.

إثبات الرؤية وموكب الاستهلال

كان تحري هلال رمضان حدثاً شعبياً ورسميًا على حد سواء. وصف المستشرق إدوارد لين، رغم تركيزه على مصر، تقاطع العادات في بلاد الشام، فيما وثّق كريستيان سنوك هورخرونيه أن إعلان رمضان كان يتم عبر ما يُعرف بـ”موكب الرؤية”.
في المشهد التقليدي، يجتمع القضاة والفقهاء في أماكن مرتفعة، مثل مآذن الجامع الأموي، وعند ثبوت الرؤية، تنطلق المدافع وتضاء المآذن بالقناديل.

وكتب بعض الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر: “دمشق تتحول في لحظة من السكون إلى ضجيج من الفرح، وتشتعل المآذن بالنور كتيجان مرصعة في سماء الليل”.

شخصية المسحراتي: الطبّال الليلي

أثارت شخصية المسحراتي دهشة المستشرقين، لالتزامه الدقيق بزيارة كل حارة ومناداته السكان بأسمائهم.
تصف إيميلين لوت في كتابها الحياة في الحريم صوت الطبل الذي يخترق سكون الليل الدمشقي، معتبرة إياه ساعة بيولوجية بشرية لا تخطئ. كما لاحظ الرحالة أن المسحراتي لم يكتفِ بالطبل، بل ألقى تواشيح ومدائح نبوية تضفي صبغة صوفية على الليل.

المائدة السورية: الكرم والتكافل

ركز المستشرق البريطاني ألكسندر راسل في كتابه The Natural History of Aleppo على تفاصيل المائدة الرمضانية:

السكبة: عادة تبادل الأطباق بين الجيران، التي وصفها بأنها تجسيد لروح التكافل، حيث يأكل الفقير مما يأكل الغني.

المأكولات: المعروك والناعم، إضافة إلى الحلويات الرمضانية التي تُعرض بشكل فني في الأسواق.
وكتب راسل: “في رمضان، تكتظ الأسواق بأنواع لا حصر لها من المعجنات والحلويات، ويقضي الناس ساعات طويلة لاختيار أفضلها لموائد إفطارهم”.

الترفيه الشعبي: المقاهي والحكواتي

رمضان في دمشق وحلب كان مناسبة اجتماعية بارزة في شهر رمضان، كما وثق المستشرق الفرنسي جان سوفاجيه.
المقاهي القريبة من الجامع الأموي، مثل مقهى النوفرة، كانت مكاناً يتجمع فيه الناس حول الحكواتي لسرد قصص عن الظاهر بيبرس أو عنترة بن شداد. كما مارس الرجال ألعاباً شعبية بعد صلاة التراويح مثل المنقلة والبرسيس.

 فن الطهو الرمضاني وأشهى الحلويات

لا يمكن الحديث عن رمضان في دمشق دون الإشارة إلى فن الطهو الذي أدهش الرحالة:

الكنافة والقطايف: وصف ألكسندر راسل الأسواق في رمضان بأنها “معامل مفتوحة لصناعة الحلويات”. وأشاد المستشرقون بحرفة صانع الكنافة وخيوط العجين الرقيقة التي تُسكب على الصاج الساخن. وكتب بعض الفرنسيين: “الكنافة ليست مجرد طعام، بل طقس مسائي يغرق في السمن العربي والقطر، ويزين بالفستق الحلبي الأخضر كالزمرد”.

السنبوسك: وصفته إيزابيل بيرتون في كتابها Inner Life of Syria بأنه طبق يُقدَّم ساخناً ومليئاً باللحم، مع عجائن دقيقة تُحضّر يدوياً، كمقبلات تفتح الشهية قبل الأطباق الرئيسية.

الناعم والمعروك: الناعم رغيف رقيق يُقلى ويُرش بالدبس، بينما يُعرف المعروك برائحته الغنية بالمحلب واليانسون والسمسم، ويملأ الأزقة قبل الإفطار بساعات.

قمر الدين: اعتُبر رمزاً لخيرات الغوطة الدمشقية، يُباع شرائح لتُنقع ثم تتحول إلى عصير كثيف يروي عطش الصائمين.

 رصد المستشرقون في مذكراتهم رمضان السوري كحدث متكامل يجمع بين العبادة، والتقاليد الاجتماعية، والكرم، والفن الشعبي، والمأكولات المميزة التي تشتهر بها دمشق وحلب. فهو مزيج من الروحانية والبهجة يعكس روح المدينة وأهلها، ليبقى رمضان السوري تجربة فريدة في الذاكرة الإنسانية والتاريخية.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top