سوريون يرفعون علم بلادهم في ساحة الأمويين بدمشق

منذ أكثر من مئة سنة، ومنذ تشكيل المملكة السورية سنة 1920م بدعم من الإنجليز والفرنسيين، ووضع فيصل ملكًا على سورية، وهو عضو في جمعية الفتاة التي أسسها الأتراك المناهضون للحكم العثماني والإسلامي، وذلك من خلال إحاطة جدار الدين بجدار القومية، واتباع سياسة التتريك وإذلال العربية والعرب، حتى كانوا وقودًا لإسقاط الدولة العثمانية، ولا يزال السوريون يعيشون غربة في بلدهم؛ فلا هم يحكمون، ولا هم يضعون من يحكمهم، بل كان الانتداب والسفارات تُنصّب من تشاء وتنقلب على من تشاء بمساعدة أبناء جلدتهم ضعفاء النفوس، وذلك من خلال أحزاب وتمثيليات سياسية ديمقراطية ممجوجة.

حتى انتصار الثورة السورية نهاية سنة 2024م، حيث التقط الشعب السوري لأول مرة أنفاسه، وتخلص من ركام قرن من الزمن عاش فيه السوري ذليلًا مقهورًا بحكم أوليغارشية مجرمة كانت وظيفتها سحق الإنسان السوري وتدمير هويته الحضارية والقيمية مقابل السلطة، حيث أصبحت سورية خارج السياقات الزمنية في ظل الثورة التكنولوجية التي حصلت في ربع القرن الأخير، إذ إن كل سنة تعادل اليوم عقدًا من الزمن، بينما كانت سورية لا تزال في مكانها، بل وترجع سنوات إلى الخلف، فحصل فارق حضاري وثقافي وعمراني واقتصادي واجتماعي بين سورية ومحيطها يحتاج سنوات لترميمه، وأخطره تدمير الإنسان السوري وقيمه الخلقية، فأصبح هشًا نفسيًا كـ«شيبس» الأطفال.

أمام هذا الواقع، لا يزال الشعب السوري يعيش بذاكرته صدمة الماضي بأتراحه ومآسيه وانقلابات السفارات، حيث كان ينام على رئيس ويصحو على رئيس جديد، حتى تمكن جزّارو البعث وصيدنايا من رقاب الشعب لأكثر من نصف قرن عجاف.

فالشعب السوري يعيش اليوم بين صدمة الماضي وألم الحاضر وأمل المستقبل؛ فلا يريد التفريط بنصره، وأيضًا لا يريد أن يكرر القوالب مسبقة الصنع، بل يريد أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء ونهضة وطنه ومجتمعه.

في ظل هذه التوجسات، لا بد من استنبات نظام سياسي يحقق طموحات الشعب السوري الذي ضحّى خلال عقد ونصف بالغالي والنفيس، مع ضمانات بألا يتكرر سيناريو الماضي من الانقلابات ومجيء نظام مستبد ديكتاتوري.

واستنبات مفهوم نظام جمهورية دستورية ربما يكون مخرجًا سياسيًا يرضي الداخل ويسكت الخارج، وذلك بالاستفادة من تجربة الانتخابات في العهد الراشدي في السقيفة وما بعدها، وكذلك النظام الأمريكي المعاصر.

ويكون ذلك بوضع صلاحيات السياسة الخارجية والجيش والأمن بيد رئيس الجمهورية لضمان عدم الانقلابات، وتكون حصة الثلث في مجلس الشعب للرئيس، كون الرئيس وثلثه يمثلان الشعب السوري، وليس شخص الرئيس، لفترة لا تقل عن خمسة عشر عامًا، ريثما يتدرب الشعب السوري على العمل السياسي والديمقراطي بالشورى، وينشأ جيل يتمتع بقيم أخلاقية. فالمعارضة التي تشكلت خلال سنوات الثورة، وانقلابها على بعض وتفريطها بالثورة، هي صورة مصغرة عن حقيقة الواقع السوري؛ فأي شخص يملك القوة مستعد لأن يخرب البلد ويتحالف مع أشد الأعداء من أجل السلطة، وما يحصل وحصل بعد التحرير ورفع العلم الأزرق أكبر شاهد.

بالمقابل، يتم تشكيل ثلثي مجلس الشعب من المجاميع النقابية في كل محافظة، بعد تمثيل مختلف شرائح المجتمع، وتشكيل مجالس نقابية في كل محافظة تقوم بترشيح ممثليها للبرلمان حسب حاجة البرلمان لمختلف التخصصات التي تساعد في النهوض بالمجتمع وخدمة المواطن ورفاهيته: أطباء، واقتصاديين، وحقوقيين، ومعلمين، وغيرهم، وليس بنظام القوائم (ألف وباء)، وقوائم البعث في زمن النظام البائد التي كانت تنتج مجتمعًا منافقًا ومتخلفًا.

ويقوم البرلمان بتشكيل الحكومة ومراقبتها، بينما يكون الرئيس صمام أمان.

وتقوم المجالس النقابية في كل محافظة باجتماعات شهرية، وتكون الممثل للعمل السياسي في المجتمع المدني، وتلعب دور الواصل والفاصل بين السلطة والشعب، وبذلك نتخلص من التحزبات الدينية واليسارية والفواعل دون الدولة، التي كانت سبب تخلفنا ودمارنا خلال مئة سنة.

فشتّان بين التحزبات الفكرية التي تشبه التحزبات القبلية ما قبل الدولة، وبين العمل السياسي النقابي الذي يحث على التنافس في العمل الخيري والقيم الأخلاقية والنهوض بالمجتمع والدولة، مهما كان عِرق ودين الفرد؛ فالكل مواطنون، وأكثرهم حظًا أكثرهم أخلاقًا وخدمة للشعب.

وتكون المجالس النقابية حوامل وقنوات للعمل الوطني والسياسي، يعبّر فيها المواطن عن وجعه بشكل يومي وأسبوعي وشهري، ولا نترك العمل السياسي للغرف المظلمة ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تُدار بيد من وضعها لابتزاز الدول وتفكيكها وترويضها، وتضمن النقابات ضخ دماء جديدة مع كل دفعة تخرّج من الجامعات، ولا يبقى النقيب في مكانه كزعيم الحزب حتى يأخذ الله روحه، وكذلك تُخرج السلطة من حرج التمثيل العرقي والطائفي والأقلية والأكثرية الدينية، ويصبح المعيار الناظم هو تكنوقراط بامتياز، ولا أكثرية إلا أكثرية الكفاءة.

البرلمانية النقابية

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top