في قريتي “بريقة وبئر عجم” وماحولهما بريف القنيطرة، تتقاطع روايات السكان مع نفي الجهات الرسمية حول إدارة أراضي أملاك الدولة والأحراش، المعروفة محلياً باسم “المشاع”. مساحات واسعة تُقدَّر بنحو ألف دنم من المراعي، إضافة إلى أراضٍ حراجية، تحولت إلى بؤرة توتر بين مربي المواشي، والجمعية الفلاحية، وفرع أملاك الدولة، وسط اتهامات بغياب الشفافية واستمرار آليات تعود إلى زمن النظام السابق.
رواية الأهالي: احتكار وتحصيل مزدوج
“أبو سيف”، أحد سكان بريقة القديمة، يقول لمؤسسة جولان “إن أبناء القرية “اشتروا بيوتاً وأراضي وأصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي، لكنهم عانوا سابقاً من التمييز وغياب الخدمات”. ويضيف أن المشكلة اليوم لم تعد خدمية فقط، بل تتعلق بحق الانتفاع بالمراعي.
بحسب شهادته، تُؤجَّر مساحات من أملاك الدولة بمبالغ مرتفعة “من قبل أشخاص محسوبين على نفوذ سابق”، فيما يُحرم بقية المربين من الرعي. كما يشير إلى أن أراضي الأحراش “تم تسجيلها بأسماء أفراد”، قبل أن يُعاد تأجيرها كمراعٍ بقيمة تصل إلى 200 ألف ليرة للدنم، رغم أن المربين يدفعون رسوماً رسمية للدولة لقاء تراخيص الرعي. ويتساءل: “كيف ندفع مرتين؟ إما أنها أملاك خاصة انتُزعت بطرق غير قانونية، أو أنها أملاك دولة ويجب أن يكون الانتفاع منظماً وعادلاً”.
مديرية الزراعة
تواصلت مؤسسة جولان مع القائم بتسيير أعمال مديرية الزراعة في القنيطرة، السيد محمد رحال، فأكد أن فرع أملاك الدولة بات مستقلاً عن المديرية، داعياً إلى مراجعة الفرع المختص مباشرة، ومبدياً استعداده لتقديم أي مساعدة.
أملاك الدولة: لا أدلة ولا عقود على الوعر
مدير فرع هيئة أملاك الدولة بالقنيطرة، السيد “محمد سليمان”، قال إن أي ادعاء يحتاج إلى وثائق ثبوتية، مضيفاً أن “الكلام دون مستندات لا يحمل قيمة قانونية”. وأوضح أنه لم ترد شكاوى رسمية حتى الآن، وأنه خلال الجولات الميدانية لم تُسجَّل حالات مماثلة، علماً بوجود مشاجرة جماعية تمّ توقيف بعض الأطراف في مخفر نبع الصخر!
من الناحية القانونية، شدد سليمان على أنه “لا يجوز تأجير الأراضي الوعرة والصخرية، فهي حق ارتفاق بالرعي لجميع أبناء القرية مجاناً ودون عقود”. أما الأراضي الصالحة للزراعة، فيوجد فيها عقود إيجار نظامية. وأقرّ بوجود حالات يقوم فيها بعض الرعاة بمنع غيرهم من الرعي في الأراضي الوعرة “وهذه خلافات لا تدخل ضمن اختصاص الفرع”.
اتحاد الفلاحين: الأرض للجمعية والعقود ضرورة
من جهته، أوضح رئيس اتحاد الفلاحين بالقنيطرة، السيد “عبد الرحمن خلف”، أن 364 دونماً مخصصة للجمعية الفلاحية في بريقة من أملاك الدولة، وأن الجمعية تبرم سنوياً عقود استثمار مع عدد من مربي الثروة الحيوانية.
وبيّن أن الجفاف العام الماضي دفع الجمعية للتساهل مالياً، لكن مع تفاقم الخلافات وطلب أعداد كبيرة من المربين الرعي في المساحة نفسها، تم توجيه رئيس الجمعية لإبرام عقود واضحة مع المستثمرين السابقين، مع بحث إمكانية استيعاب مربيين جدد بعقود نظامية “لمنع الاحتكاك وضمان العدالة”.
بين النص القانوني والممارسة
التحقيق يكشف فجوة بين النصوص القانونية التي تؤكد مجانية حق الارتفاق في الأراضي الوعرة، وبين واقع يشير إلى نزاعات واتهامات باحتكار غير رسمي. كما يسلط الضوء على إشكالية “المسح الحراجي” وتسجيل بعض المساحات بأسماء أفراد، وهي نقطة تتطلب تدقيقاً وثائقياً مستقلاً.
في ظل غياب شكاوى موثقة رسمياً، تبقى الكرة في ملعب المتضررين لتقديم مستندات، وفي عهدة الجهات المعنية لإجراء مراجعة شفافة لآليات التأجير والاستثمار، ونشر بيانات واضحة حول المساحات، طبيعتها القانونية، وأسماء المستفيدين بعقود رسمية.
إلى أن تتقاطع الوثيقة مع الشكوى، سيبقى “المشاع” مساحةً مفتوحةً للنزاع… بين حقٍ عامٍ يفترض أن يكون مكفولاً للجميع، واتهامات باستمرار نفوذ قديم بأدوات جديدة.
- محمد جابر






