الحكواتي (مواقع التواصل)

في أحد أزقة دمشق القديمة، وعلى مقربة من الجامع الأموي، كان صوت الحكواتي يعلو في فضاء مقهى النوفرة، فيسكت اللغط، وتخفت همهمات الأراكيل، وتتوحد الأنظار نحو رجل يجلس على كرسي خشبي مرتفع، يلوّح بسيفه، ويفتح كتابًا عتيقًا، قبل أن يستهل عبارته المأثورة: “قال الراوي يا سادة يا كرام…”.

وظيفة اجتماعية تتجاوز الترفيه

منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، شكّل الحكواتي جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية في المقاهي الدمشقية. أدى دورًا ثقافيًا واضحًا، وجمع بين السرد الشفهي وتشكيل الوعي الجمعي داخل الحي.

يقول الدكتور سامر الدروبي، الباحث في التاريخ الاجتماعي لبلاد الشام:

“الحكواتي مؤسسة شفوية قائمة بذاتها. أعاد إنتاج السيرة الشعبية وفق مزاج الحي، وعدّل أحداثها بما يتناسب مع اللحظة السياسية والاجتماعية. كان وسيلة إعلام محلية تشتغل على الذاكرة والهوية في آن واحد.”

ويضيف:

“السرد الشفهي في المقاهي الدمشقية أدّى وظيفة تكاملية مع محدودية انتشار الصحافة آنذاك. تلقّى الناس من الحكواتي القصة والخبر والموعظة في قالب درامي يتيح التفاعل المباشر، وهو عنصر منح الحكاية قوة وتأثيرًا عميقين.”

بين السيف والصوت… صناعة التأثير

تميّز الحكواتي بقدرة لافتة على التحكم بنبرة صوته، فيمنح الملك صوتًا مهيبًا، ويجعل للفارس نبرة صارمة، وللخائن همسًا ماكرًا. كان جمهوره، وغالبيتهم من الرجال، يتفاعلون بحرارة، حتى تتشابه ردود أفعالهم أحيانًا مع جماهير كرة القدم اليوم: تشجيع، صراخ، غضب، وربما شجار.

ولأن هدفه شدّ الجمهور دون فقدان السيطرة، كان يتدخل في مجريات الحكاية، يحذف مشاهد، أو يضيف أخرى، أو يؤجل “العقدة” إلى الليلة التالية لضمان عودة الرواد. إنها صيغة مبكرة لتقنية التشويق المتسلسل التي تقوم عليها الدراما الحديثة.

الضربات المتتالية… من خيال الظل إلى التلفزيون

مع بدايات القرن العشرين، بدأت مهنة الحكواتي تتراجع. ظهر مسرح خيال الظل و”كراكوز وعيواظ”، ثم جاءت السينما إلى سوريا عام 1908، فصار الجمهور يرى وجوه الأبطال بدل تخيلهم. لاحقًا انتشر الراديو، ثم دخل التلفزيون إلى سوريا عام 1960، فتغيرت عادات التلقي جذريًا.

المفارقة أن التلفزيون، الذي أزاح الحكواتي من مكانه في المقهى، أعاد تقديم صورته عبر مسلسلات البيئة الشامية، خصوصًا في الأعمال الرمضانية، وحوّله إلى رمز تراثي حاضر في الذاكرة.

يعلّق الدكتور الدروبي:

“التلفزيون نقل الحكواتي من ممارسة يومية إلى صورة رمزية. تحوّل من فاعل اجتماعي مؤثر في اللحظة إلى عنصر يعكس الحنين إلى زمن مضى، وبذلك حافظ على حضوره في الوعي العام وإن تغيّر دوره.”

من الحكواتي إلى صانع المحتوى

في زمن المنصات الرقمية، تبدّل شكل الحكواتي. ظهر بصيغة صانع محتوى، وراوٍ عبر البودكاست، ومقدّم حكايات على يوتيوب وتطبيقات التواصل. تغيّر المكان، وتبدّل الجمهور، لكن جوهر الحكاية بقي قائمًا: سرد مشوّق، وبطل، وعقدة، ونهاية.

في الماضي، امتلك الجمهور سلطة مباشرة على الحكواتي؛ إن لم تعجبه الحكاية طالب بتعديلها أو الانتقال إلى غيرها. اليوم تمارس الخوارزميات دورًا حاسمًا في توجيه المحتوى، وتحديد ما ينتشر وما يختفي، فتبدلت طبيعة التأثير.

ورغم وفرة المواد البصرية والسمعية، تراجع طقس الاستماع الجماعي الذي كان يجمع الحي حول صوت واحد. اختفى المشهد الذي يخفض فيه الحكواتي صوته فتتعلق الأنفاس، ثم يضرب الأرض بسيفه معلنًا: “هون يا سادة أودعنا الكلام”.

ذاكرة تتجدد

ما يزال الحكواتي حاضرًا في الخيم الرمضانية وبعض الفعاليات التراثية بوصفه عرضًا فلكلوريًا. تغيّر السياق، وتبدلت الوظيفة، لكن الحاجة الإنسانية إلى الحكاية استمرت عبر العصور.

من الطفل الذي ينتظر قصة قبل النوم، إلى الجمهور الذي يتابع مسلسلًا على منصة رقمية، يبقى الإنسان مشدودًا إلى السرد، وإلى بطل ينتصر، وإلى صوت يقوده نحو عوالم أخرى.

في زمن السرعة وتشتت الانتباه، يعود سؤال الحكواتي بصيغة جديدة:
كيف يمكن إعادة الاعتبار لفن الإصغاء، في عالم تتزاحم فيه الأصوات ولا يتوقف فيه السرد؟

 

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top