في الدول التي عانت من نزاعات طويلة وصراعات دامية، لا يكون السلام مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو عملية عميقة تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي الحالة السورية، تبدو العدالة واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية. فبعد سنوات من الحرب، والانتهاكات الواسعة، والدمار الاجتماعي والاقتصادي، لم يعد مطلب العدالة ترفًا سياسيًا أو شعارًا حقوقيًا، بل أصبح ضرورة وجودية لبقاء الدولة ذاتها. إن التأخير في تطبيق العدالة لا يعني فقط تأجيل المحاكمات، بل يعني تأجيل الاستقرار، وتأجيل المصالحة، وتأجيل المستقبل.
أولى عواقب تأخير العدالة تكمن في تآكل الثقة العامة بمؤسسات الدولة. فحين يشعر المواطن أن القانون لا يُطبق بعدالة، أو أن الجرائم الكبرى تمر دون مساءلة، تتزعزع صورة الدولة كحامٍ للحقوق وكمرجع للإنصاف. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى قطيعة نفسية واجتماعية بين الشعب ومؤسساته. في مثل هذا المناخ، تنتشر الشائعات، وتزدهر نظريات المؤامرة، ويضعف الانتماء الوطني لصالح الانتماءات الضيقة، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو مناطقية.
العواقب لا تتوقف عند حدود الثقة، بل تمتد إلى الأمن والاستقرار. فغياب المحاسبة يشجع على تكرار الانتهاكات، إذ إن الإفلات من العقاب يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة فوق القانون. وهذا قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من العنف، سواء كانت انتقامية أو ذات طابع سياسي. عندما يشعر الضحايا أن العدالة الرسمية بعيدة أو مستحيلة، قد يلجؤون إلى العدالة الفردية، ما يخلق دوامات من الثأر يصعب السيطرة عليها. وهكذا تتحول العدالة المؤجلة إلى وقود لصراعات مستقبلية.
أما الضحايا وأسرهم فهم الأكثر تأثرًا بتأخير العدالة. فبالنسبة لهم، ليست العدالة مجرد حكم قضائي، بل اعتراف رسمي بمعاناتهم وكرامتهم. إن حرمانهم من معرفة الحقيقة، أو من محاسبة المسؤولين، يطيل أمد الألم ويمنع التئام الجراح النفسية والاجتماعية. العدالة هنا ليست انتقامًا، بل خطوة ضرورية للشفاء الجماعي. من دونها، يبقى الجرح مفتوحًا، وتبقى الذاكرة مثقلة بالغضب والحزن.
كما أن المصالحة الوطنية، التي تُطرح غالبًا كحل للخروج من آثار النزاع، لا يمكن أن تقوم على النسيان القسري أو التجاهل المتعمد. المصالحة الحقيقية تقوم على كشف الحقيقة، والاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية. إن تجاهل هذا المسار بحجة الحفاظ على الاستقرار قد يمنح هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يؤسس لسلام دائم. فالسلام المبني على إنكار الماضي يظل هشًا، وقابلًا للانهيار عند أول اختبار.
على الصعيد السياسي، يشكل تأخير العدالة عائقًا أمام بناء دولة قانون حقيقية. فالدولة التي تسعى إلى إعادة صياغة عقدها الاجتماعي تحتاج إلى مؤسسات قضائية مستقلة وشفافة، قادرة على محاسبة الجميع دون استثناء. من دون ذلك، يبقى الحديث عن الإصلاح والديمقراطية ناقصًا. العدالة هي الأساس الذي تُبنى عليه شرعية أي نظام سياسي جديد، وهي الضمانة لعدم تكرار أخطاء الماضي.
اقتصاديًا، لا يمكن فصل العدالة عن عملية إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات. المستثمرون، سواء كانوا محليين أو دوليين، يبحثون عن بيئة مستقرة تحكمها قوانين واضحة وقضاء نزيه. استمرار الشكوك حول سيادة القانون وحقوق الملكية قد يعرقل جهود التعافي الاقتصادي. كذلك، فإن استمرار العقوبات أو القيود الدولية غالبًا ما يرتبط بمدى التقدم في ملفات حقوق الإنسان والمساءلة. وبالتالي، فإن تأخير العدالة قد تكون له كلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.
ومن الزاوية الاجتماعية، يؤدي غياب العدالة إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهي ثقافة خطيرة تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة. الأطفال الذين ينشؤون في بيئة لا يرون فيها القانون يُطبق بعدالة قد يفقدون الإيمان بقيم المواطنة والمساواة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الثقافة جزءًا من النسيج الاجتماعي، ما يجعل إصلاحها أكثر صعوبة في المستقبل.
لكن العدالة المطلوبة ليست بالضرورة عدالة انتقامية. التجارب الدولية تُظهر أن العدالة الانتقالية يمكن أن تأخذ أشكالًا متعددة، تشمل المحاكمات، ولجان الحقيقة، وبرامج التعويض، وإصلاح المؤسسات. الهدف ليس فقط معاقبة الجناة، بل أيضًا ضمان عدم تكرار الانتهاكات. وهذا يتطلب رؤية شاملة، وإرادة سياسية حقيقية، ومشاركة مجتمعية واسعة.
إن التحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين متطلبات العدالة ومقتضيات الاستقرار. فهناك من يخشى أن تؤدي المحاسبة الواسعة إلى زعزعة الوضع الأمني أو إلى صراعات سياسية جديدة. غير أن التجارب المقارنة تشير إلى أن تجاهل العدالة لا يضمن الاستقرار، بل يؤجله على حساب المستقبل. الاستقرار الحقيقي ينبع من الثقة، والثقة لا تُبنى إلا على أساس من الشفافية والمساءلة.
في النهاية، العدالة ليست مجرد ملف قانوني يمكن وضعه على الرف بانتظار ظروف أفضل. إنها عنصر أساسي في إعادة بناء الدولة والمجتمع. إن تأخيرها قد يبدو للبعض خيارًا عمليًا لتجنب التوتر، لكنه في الواقع يشبه تأجيل معالجة جرح عميق؛ قد يختفي الألم مؤقتًا، لكن العدوى تستمر في الانتشار بصمت.
سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تختار طريق العدالة بما يحمله من صعوبات وتحديات، أو أن تؤجل هذا الاستحقاق فتدفع ثمنًا أكبر في المستقبل. فالعدالة المؤجلة ليست حيادًا، بل قرارًا له تبعات عميقة على السلم الأهلي، والاستقرار السياسي، ومستقبل الأجيال القادمة. وفي النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تبني مستقبلًا آمنًا فوق أرضية من الظلم غير المعالج. العدالة ليست ترفًا، بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها.






