دراما

مع كل موسم رمضاني تتسابق القنوات على تقديم أعمال درامية تستعيد سنوات الثورة، وكأن الشاشة قادرة على احتواء ما عاشه الناس من فقدان ودمار وتضحيات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع الدراما فعلاً نقل وجع من قدّموا الشهداء والمفقودين وهُجّرت بيوتهم وتبدّلت حياتهم إلى الأبد؟

الإجابة، في تقديري، لا.

المشكلة لا تكمن في تناول الحدث بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُروى بها. حين تتحول المأساة إلى مادة للموسم الرمضاني، يصبح الخطر مضاعفاً: خطر تجميل الألم، وخطر إعادة صياغة الذاكرة بصورة درامية لا تشبه حقيقتها. الدم الذي سُفك لا يمكن استعادته داخل استوديو، وأنين المعتقلين لا يمكن محاكاته بأداء تمثيلي مهما بلغ صدقه. أما تفاصيل الحياة اليومية تحت الخوف والعوز والانتظار القاسي، فهي أكبر من أن تُختزل في مشهد أو حلقة.

ثمة مفارقة موجعة أيضاً؛ فكثير ممن يؤدون أدوار الثوار لم يعيشوا التجربة ذاتها بكل قسوتها. لم يختبروا ضيق العيش، ولا مرارة البحث عن أبسط مقومات الحياة، ولا القلق الدائم من الغد. عاشوا سنوات الأزمة بقدر من الاستقرار المادي أو النفسي، بينما كان آخرون يصارعون للحفاظ على كرامتهم. فكيف يمكن لمن لم يختبر الجحيم أن يجسّد تفاصيله الدقيقة؟

ثم إن الناس أنفسهم تغيّروا. أولوياتهم اليوم لم تعد متابعة عمل درامي، بل البحث عن لقمة كريمة وتأمين احتياجات أسرهم. كثيرون لا يملكون حتى رفاهية الكهرباء لمشاهدة مسلسل كامل، ومن يتابع يكتفي بمقاطع مجتزأة على وسائل التواصل، تركز على الإثارة أكثر من الحقيقة.

في زمن مثقل بالأعباء المعيشية والانكسارات، يبدو الاعتقاد بأن مسلسلاً رمضانياً قادر على “تمثيل” معاناة الناس أو “تكريم” تضحياتهم ضرباً من المبالغة. فالثورة ليست حبكة درامية، بل تجربة إنسانية عميقة، بأسماء حقيقية وبيوت مهدّمة وذكريات محفورة في الذاكرة.

وجع الناس أكبر من الشاشة، وأعمق من أي معالجة موسمية عابرة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top