تقع بانياس عند السفوح الجنوبية الغربية لجبل الشيخ، على ارتفاع يقارب 350 مترًا عن سطح البحر، وعلى مسافة 24 كيلومترًا شمال غربي القنيطرة. كانت قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 قرية عامرة يسكنها أكثر من ألف نسمة، قبل أن يُهجَّر أهلها ويُحتل موقعها. غير أن بانياس لم تكن مجرد قرية صغيرة، بل هي مدينة ذات تاريخ طويل، وموقع استراتيجي، وذاكرة حضارية متشابكة، تختزن في حجارتها ومياهها قصة المكان والإنسان عبر العصور.
بانياس عبر العصور
يعود تاريخ بانياس إلى زمن الكنعانيين، لكن أول ذكر لها باسم “بانيون” أو “بانيس” ارتبط بالعصر الهلنستي، نسبة إلى الإله “بان” رب الرعاة عند الإغريق، حيث أقيم له معبد في مغارة ينبع منها نهر بانياس. في العصر الروماني، أقطع الإمبراطور أغسطس المنطقة لهيرودس الكبير الذي قام بتجميلها وأقام فيها هيكلًا من المرمر. لاحقًا، جعلها ابنه فيلبس عاصمة لمملكته وسمّاها “قيصرية فيليب”، وقد زارها السيد المسيح كما ورد في إنجيل متى (16/13). ومع مرور الزمن، عُرفت بأسماء مختلفة مثل “نيرونياس” ثم “قيصرية بانياس”، وفي القرن الرابع الميلادي أصبحت مقرًا لأسقفية مقاطعة فينيقية الرومانية.
في العصر الإسلامي، اتخذها هرقل قاعدة لحشد جيوشه استعدادًا لمعركة اليرموك، لكن المسلمين فتحوها سنة 15 هـ / 636 م، وسكنها عرب من بني قيس، فغدت مدينة ذات أسوار وقصبة للجولان من أعمال دمشق. أما في العصر الأيوبي، فقد ازدادت أهميتها كقاعدة متقدمة لقوات دمشق، وجعلها الأتابك طغتكين مقرًا لقيادته سنة 505 هـ حين تحرك لفك حصار الصليبيين عن مدينة صور. تبادل المسلمون والفرنجة السيطرة عليها خلال الحروب الصليبية، لكنها فقدت أهميتها تدريجيًا مع مرور الزمن حتى غدت أطلالًا.
قلعة الصبيبة (النمرود)
إلى الشمال من بانياس، وعلى جرف صخري شاهق، تقوم قلعة الصبيبة المعروفة أيضًا باسم قلعة النمرود. تمتد القلعة بطول 435 مترًا، ويتراوح عرضها بين 75 و165 مترًا، وتضم معقلًا رئيسيًا مرتفعًا يسمى “القليعة”، إضافة إلى أبراج دفاعية مستطيلة ودائرية، وسور محيط. كانت هذه القلعة من أعظم الحصون الأيوبية، واستخدمت لمراقبة طرق الغزو الصليبي، ما جعلها مركزًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في تلك الحقبة.
الآثار القديمة
تحفل أراضي بانياس بالكثير من الخرائب الأثرية التي تعود إلى العصرين الهلنستي والروماني. من أبرزها أطلال معبد بان، الكهف والمحاريب المنقورة في الصخر، وبقايا الأعمدة والتيجان، إضافة إلى قناة لجر مياه النبع. ومن بين الاكتشافات الأثرية المهمة تمثال نصفي بارز من البرونز لامرأة جميلة، أطلق عليها اسم “إيماغو كليبياتا أميرة بانياس”، ويرجع إلى القرن الثاني الميلادي، وقد نُقل إلى المتحف الوطني بدمشق ليبقى شاهدًا على عظمة هذه المدينة.
نهر بانياس (القاضي/دان)
ينبع نهر بانياس من مغارة قرب القرية، ويُعد من أهم روافد نهر الأردن، إذ يغذي بحيرتي الحولة وطبريا، ويُعتبر قلبًا مائيًا نابضًا للمنطقة. وصفه المقدسي في كتابه “أحسن التقاسيم” بأنه نهر شديد البرودة يخرج من تحت جبل الثلج وينبع وسط المدينة، حتى غدت بانياس خزانة دمشق المائية، ومركزًا للحياة الزراعية والاقتصادية في محيطها.
البعد السياسي والإنساني
اليوم، لم تعد بانياس سوى أطلال، لكنها أطلال شاهدة على الاحتلال ومحاولة طمس الهوية. تهجير أهلها عام 1967 وطمس معالمها جزء من سياسة الاستيطان، غير أن بقاء آثارها ومئذنتها الشامخة يرمز إلى مقاومة النسيان، وإلى أن الذاكرة الحية للشام لا يمكن محوها. إن بانياس ليست مجرد موقع أثري، بل هي رمز للذاكرة الجماعية، ومرآة لصراع طويل بين محاولات الطمس وبين إرادة البقاء والهوية.
مصادر ومراجع
– الموسوعة العربية السورية – مادة بانياس
– أبو الفداء، تقويم البلدان
– المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم
– اليعقوبي، البلدان
– وكالة سانا – تقارير عن قلعة الصبيبة وبانياس
– المتحف الوطني بدمشق – آثار بانياس
- بلال محمد الشيخ






