القرى الأمامية بالقرب من خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل خاص مؤسسة جولان

يشكّل الجولان إحدى القضايا المركزية في الصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1967، غير أن حضوره في الأدبيات السياسية والإعلامية ظلّ في الغالب محصورًا في بعده الجيوسياسي والاستراتيجي، فقد ارتبط اسمه بمفاهيم الاحتلال والضم وقرارات مجلس الأمن والتحولات العسكرية، بينما تراجع الاهتمام بدراسته بوصفه فضاءً اجتماعيًا وتاريخيًا متكاملًا.

تسعى هذه المقالة إلى مساءلة هذا الاختزال، وطرح إشكالية مفادها: هل أُنتجت معرفة متوازنة عن الجولان كمجتمع، أم أن الخطاب السياسي طغى على المقاربة الاجتماعية؟

منذ أحداث عام 1967 وما تبعها من تحولات إقليمية، أصبح الجولان يُقرأ أساسًا من زاوية موقعه الاستراتيجي المطلّ على شمال فلسطين ودمشق، وقد عزّز هذا التصوّر ارتباطه بأحداث كبرى مثل حرب الأيام الستة، وما أعقبها من ترتيبات عسكرية وخطوط وقف إطلاق النار.
هذا التركيز رغم وجاهته السياسية، أسّس لنمط من المعرفة يُعلي من شأن الأرض بوصفها موقعًا عسكريًا، ويُهمِل الأرض بوصفها حاضنةً لمجتمعٍ قائم.
وبهذا المعنى تحوّل الجولان إلى موضوع في دراسات الأمن الإقليمي أكثر منه موضوعًا في علم الاجتماع التاريخي.

قبل التحولات السياسية الكبرى، كان الجولان منطقة ذات بنية اجتماعية متماسكة، ترتبط إداريًا واقتصاديًا بمدن مثل القنيطرة ودمشق، وقد تميزت المنطقة باقتصاد زراعي يعتمد على الحبوب وتربية المواشي، وبنية عشائرية وريفيّة واضحة المعالم، وشبكة علاقات قرابية وتجارية مع الجليل وسهل حوران، وحضور مؤسسات تعليمية ودينية محلية.
غير أن هذا النسيج الاجتماعي لم يحظَ بتوثيق كافٍ مقارنة بالتوثيق السياسي والعسكري للمنطقة، وهو ما يطرح سؤالًا حول فجوة البحث في الدراسات الاجتماعية الخاصة بالجولان.

التحوّل من المكان إلى الرمز

أدّت الحرب وما تبعها من نزوح واسع وتدمير عدد كبير من القرى إلى تحوّل الجولان من مكان معاش إلى رمز سياسي، وفي هذه المرحلة تشكّل خطاب يركّز على مفاهيم السيادة والتحرير والشرعية الدولية، في حين تراجعت الدراسات التي تعالج أثر النزوح على الهوية الجمعية، وإعادة تشكيل الذاكرة المحلية، وتحولات البنية العائلية والعشائرية، وأثر الانفصال الجغرافي على الامتداد الاجتماعي مع الداخل السوري.
وبهذا المعنى يمكن القول إن الجولان خضع لعملية تسييس للذاكرة، حيث تمّ إنتاجه في الوعي العام بوصفه قضية سياسية قبل أن يكون مجتمعًا له تحولات ديموغرافية وثقافية معقدة.

فإن دراسة الجولان تتطلب تجاوز المقاربة الأحادية، واعتماد منهج متعدد الحقول يشمل تخصصات متعددة مثل علم الاجتماع، والتاريخ المحلي، ودراسات الذاكرة الشفوية، والتحليل الديمغرافي.
فالقضية التي تُقرأ فقط من منظور السيادة، تبقى ناقصة من منظور المعرفة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للبُعد الإنساني لا تُضعف البعد السياسي، بل تُعمّقه وتُؤسّسه على قاعدة معرفية أوسع.

ولا يمكن إنكار مركزية البعد السياسي في قضية الجولان، غير أن الاقتصار عليه يُنتج معرفة مجتزأة، فالجولان لم يكن مجرد مساحة متنازع عليها، بل هو فضاء اجتماعي تشكّل عبر قرون، واحتوى أنماطًا من العيش والعلاقات والهويات.
وإن استعادة الجولان في الكتابة الأكاديمية تقتضي نقله من كونه ملفًا سياسيًا إلى كونه موضوعًا اجتماعيًا تاريخيًا متكاملًا، فحماية القضية لا تكون فقط بتثبيت شرعيتها السياسية، بل أيضًا بحفظ سرديتها المجتمعية.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top