العفو العام الذي أصدره السيد الرئيس أحمد الشرع في شهر رمضان فتح باباً واسعاً للنقاش في الشارع السوري، ليس فقط من زاوية أثره المباشر على حياة آلاف المعتقلين وعائلاتهم، بل من زاوية أعمق تتعلق بمفهوم الدولة وسيادة القانون في مرحلة انتقالية يفترض أن تؤسس لمستقبل مختلف عن الماضي.
فبينما استقبلت بعض العائلات القرار بفرح لا يوصف، ورأت فيه فرصة لطي صفحة الماضي وإعادة دمج أبنائها في المجتمع، اعتبره عدد من القانونيين والحقوقيين تجاوزاً خطيراً للإعلان الدستوري المؤقت الذي لا يمنح الرئيس صلاحية إصدار عفو عام، بل يحصر هذه الصلاحية بمجلس الشعب وفق المادة (30/ج)، ويقصر دور الرئيس على العفو الخاص ورد الاعتبار وفق المادة (40).
هذا التناقض بين البعد الإنساني والبعد القانوني هو ما جعل القرار مثار جدل واسع، إذ بدا وكأنه يضع المجتمع أمام خيار صعب بين الرحمة والعدالة، وبين الضرورة السياسية واحترام النصوص الدستورية.
المحامي أنور البني كان من أبرز المنتقدين، مؤكداً أن العفو العام هو من أدوات الأنظمة الديكتاتورية والملكية، ولا مكان له في دولة حديثة تسعى لبناء سيادة القانون. بالنسبة له، تجاوز الرئيس الشرع صلاحياته التي حددها الإعلان الدستوري الذي كتبه بنفسه، مما يشكل مؤشراً خطيراً على أن القانون أصبح تحت الأقدام، وهو ما لا يبشر بالخير في مشروع بناء سوريا كدولة قانون.
الأستاذ ميشال شماس، عضو المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، بدوره أوضح أن النصوص الدستورية صريحة، وأن صلاحية العفو العام محصورة بمجلس الشعب، بينما الرئيس يملك فقط العفو الخاص، وأن الاستناد إلى تجارب تونس ومصر غير دقيق لأن إعلاناتهما منحت الرئيس سلطة تشريعية صريحة، وهو ما لا ينطبق على الحالة السورية.
أما الحقوقي فارس عابدين فأضاف أن إصدار الشرع للعفو العام كان يجب أن ينتظر تشكيل مجلس الشعب كاملاً، معتبراً أن القرار، رغم مخالفته الدستورية، يبقى خطوة مشكورة من الرئاسة.
هذه الأصوات القانونية مجتمعة تعكس خشية عميقة من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى إعادة إنتاج ممارسات النظام السابق، حيث يتم تجاوز النصوص بحجة الضرورة السياسية.
في المقابل، هناك من رأى في القرار بارقة أمل وفرصة للحرية ولمّ الشمل.
المحامي وعضو مجلس الشعب السوري عبد الناصر حوشان أكد أن العفو شمل الجرائم التي كان النظام السابق ينسبها للثوار، مثل الجرائم الواقعة على أمن الدولة أو التعامل بغير الليرة السورية، لكنه لم يتطرق إلى جرائم النظام نفسه كجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة. بالنسبة له، فإن المستفيدين هم المحكومون بموجب القوانين الجائرة، وهو ما يمثل تصحيحاً جزئياً للظلم.
الباحث السياسي رضوان الأطرش ركز على البعد الإنساني، معتبراً أن فرحة العائلات بخروج أبنائها لا تُقدّر بثمن، وأن من يعترض على القرار لم يعش قسوة السجن أو معاناة ذوي المعتقلين، مؤكداً أن إطلاق سراح المعتقلين يمثل رحمة وإنسانية مهما كانت الملاحظات الدستورية.
المحامي عادل خليان أوضح أن العفو محدود ولا يشمل الجرائم الجسيمة، مما يخفف من المخاوف القانونية لدى البعض ويجعل القرار أكثر توازناً.
ومن خلال متابعتي لهذا الملف كباحث، أجد نفسي أقرب إلى ما طرحه الأستاذ الحقوقي عبد الناصر حوشان من أن العفو العام لم يشمل مرتكبي الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب، وهو ما يجعل القرار في جوهره موجهاً نحو إزالة القوانين الجائرة التي ورثناها عن النظام البائد، خاصة تلك التي طالت المنشقين عن مؤسساته أو الأكاديميين الذين تركوا مواقعهم للحاق بركب الثورة السورية المباركة.
هذه الفئة من القوانين كانت سيفاً مسلطاً على رقاب السوريين الأحرار، والعفو عنها يمثل خطوة ضرورية لتصحيح مسار العدالة الانتقالية. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن تأخر انطلاق مجلس الشعب بشكل فعلي انعكس سلباً على الساحة القانونية والتشريعية، وأدى إلى بطء في دوران عجلة الإصلاح، الأمر الذي دفع السلطة التنفيذية إلى أن تأخذ دوراً ليس من صلاحياتها، فخالفت بذلك نصوص الإعلان الدستوري.
هذا التداخل بين الضرورة والشرعية يضعنا أمام معضلة حقيقية: كيف نوازن بين الحاجة الملحة لتصحيح إرث النظام السابق وبين الالتزام الصارم بالنصوص الدستورية التي يفترض أن تكون أساس بناء الدولة الجديدة؟
التحليل العميق لهذا الجدل يكشف أن القضية ليست مجرد خلاف حول نصوص قانونية، بل هي انعكاس لصراع أوسع بين منطق القانون ومنطق السياسة، وبين الرغبة في بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات وبين الحاجة إلى قرارات استثنائية تعالج آثار سنوات طويلة من القمع والسجون.
فالمؤيدون يرون أن الضرورة الإنسانية تفرض تجاوز بعض القيود، وأن إطلاق سراح المعتقلين يعزز المصالحة الاجتماعية ويمنح فرصة جديدة للاندماج، بينما المعارضون يحذرون من أن أي تجاوز للنصوص الدستورية يقوض مشروع بناء دولة القانون ويعيد إنتاج منطق الاستثناء الذي كان سمة النظام السابق.
وهكذا يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن أن تُبنى سوريا الجديدة على استثناءات سياسية مهما كانت نواياها حسنة، أم أن الطريق الوحيد هو احترام النصوص الدستورية والمؤسسات حتى في أصعب الظروف؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير العفو العام، بل مصير مشروع الدولة السورية بأكمله.






