الرئيس الشرع يوقع اتفاق قسد

في خضم المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا منذ صدور الإعلان الدستوري في 13 آذار/مارس 2025، عاد الجدل القانوني والسياسي إلى الواجهة حول حدود صلاحيات رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، ولا سيما في ما يتعلق بإمكانية إصدار عفو عام. فالعفو العام ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو قرار سيادي عميق الأثر يمس العدالة الجنائية، وحقوق الضحايا، ومفهوم المصالحة الوطنية، ويعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

العفو العام: بين المفهوم القانوني والرمزية السياسية

العفو العام في الفقه الدستوري هو تشريع يُسقط الصفة الجرمية عن أفعال ارتُكبت قبل صدوره، أو يُسقط العقوبة كلياً أو جزئياً عن مرتكبيها. وهو يختلف عن العفو الخاص الذي يُمنح لشخص أو أشخاص محددين بعد صدور حكم قضائي بحقهم. وغالباً ما يرتبط العفو العام بمراحل انتقالية، سواء بعد نزاعات داخلية أو تغييرات سياسية جذرية، حيث يُستخدم كأداة لإعادة دمج فئات اجتماعية في الحياة العامة أو لفتح صفحة جديدة في سياق المصالحة.

لكن في المقابل، يثير العفو العام حساسية خاصة، لأنه قد يُنظر إليه على أنه مساس بمبدأ المحاسبة، أو تجاهل لحقوق الضحايا، أو مدخل لإفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من العقاب. لذلك، فإن السؤال حول صلاحية الرئيس في إصداره لا يُطرح بمعزل عن الإطار الدستوري والقانوني الناظم للمرحلة الانتقالية.

الإعلان الدستوري 2025: طبيعة النظام الانتقالي

صدر الإعلان الدستوري في 13 آذار/مارس 2025 ليشكّل المرجعية العليا المؤقتة لإدارة الدولة خلال مرحلة انتقالية حُددت بخمس سنوات. وقد منح هذا الإعلان رئيس الجمهورية الانتقالي صلاحيات واسعة في المجالين التنفيذي والتشريعي، في ظل إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطات.

وبحسب ما ورد في الإعلان، فإن رئيس الجمهورية يتولى السلطة التنفيذية، ويُمنح صلاحية إصدار المراسيم التي لها قوة القانون خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين استكمال تشكيل سلطة تشريعية منتخبة أو مستقلة بشكل كامل. كما خوّل الإعلان الرئيس تعيين أو إعادة تشكيل هيئات دستورية وقضائية، وإدارة شؤون الدولة العليا بما يحقق “متطلبات الاستقرار وإعادة البناء”.

هذا الإطار الاستثنائي يجعل موقع الرئيس في المرحلة الانتقالية مختلفاً عن موقعه في ظل دستور دائم قائم على فصل صارم للسلطات. فالصلاحيات الممنوحة له تتسم بطابع مؤقت واستثنائي، لكنها في الوقت ذاته واسعة النطاق.

هل يدخل العفو العام ضمن هذه الصلاحيات؟

السؤال الجوهري هو: هل تشمل صلاحيات الرئيس إصدار عفو عام؟ للإجابة عن ذلك، لا بد من التمييز بين حالتين:

إذا نص الإعلان الدستوري صراحة على حق الرئيس في إصدار العفو العام، ففي هذه الحالة يكون الأمر واضحاً ولا يثير إشكالاً من الناحية الشكلية، ويُمارَس العفو ضمن الضوابط المحددة في النص.

أما إذا لم يرد نص صريح، لكن مُنح الرئيس صلاحية إصدار مراسيم لها قوة القانون، فهنا يصبح العفو العام ممكناً من الناحية القانونية، لأن العفو العام بطبيعته عمل تشريعي، وإصدار المراسيم التشريعية يدخل ضمن صلاحيات الرئيس في المرحلة الانتقالية.

وبالعودة إلى طبيعة الإعلان الدستوري لعام 2025، فإن منح الرئيس سلطة إصدار مراسيم تشريعية واسعة يُفسَّر في الفقه الدستوري المقارن بأنه يجيز له إصدار قانون عفو عام، ما دام لا يوجد نص يمنعه صراحة، وما دام يلتزم بالقيود العامة المتعلقة بحقوق الإنسان والالتزامات الدولية للدولة.

القيود القانونية المحتملة

مع ذلك، فإن صلاحية إصدار العفو العام ليست مطلقة. فحتى في الأنظمة التي تمنح الرئيس سلطات واسعة، تبقى هناك قيود أساسية:

أولاً: الجرائم الجسيمة
وفقاً للقانون الدولي، لا يجوز منح عفو عام يشمل الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، إذا كان ذلك يؤدي إلى إفلات مرتكبيها من المساءلة. وقد كرّست المحاكم الدولية ومبادئ العدالة الانتقالية هذا الاتجاه، معتبرة أن العفو عن الجرائم الجسيمة يتعارض مع التزامات الدولة بمكافحة الإفلات من العقاب.

ثانياً: حقوق الضحايا
العفو العام الذي يتجاهل حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة أو في التعويض قد يواجه اعتراضاً مجتمعياً واسعاً، ويُضعف شرعيته السياسية. لذلك، غالباً ما يُشترط أن يترافق العفو مع آليات للعدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة أو برامج التعويض.

ثالثاً: الرقابة القضائية
حتى في ظل مرحلة انتقالية، قد يخضع مرسوم العفو العام لرقابة هيئة دستورية أو قضائية إذا ما طُعن فيه بعدم الدستورية أو بمخالفته للالتزامات الدولية.

البعد السياسي: بين المصالحة والجدل

بعيداً عن الجوانب القانونية الصرفة، فإن إصدار عفو عام في السياق السوري يحمل أبعاداً سياسية عميقة. فمن جهة، قد يُنظر إليه كخطوة نحو المصالحة الوطنية، وكمحاولة لطي صفحة الصراع وإعادة دمج فئات واسعة في الحياة العامة، خصوصاً إذا اقتصر على الجرائم غير الجسيمة أو ذات الطابع السياسي.

ومن جهة أخرى، قد يثير العفو اعتراضات من قوى مدنية أو منظمات حقوقية ترى فيه تنازلاً عن مبدأ المحاسبة، أو محاولة لتسوية ملفات حساسة دون معالجة جذورها.

ولذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: “هل يملك الرئيس الصلاحية؟” بل أصبح: “كيف سيستخدم هذه الصلاحية؟ ولأي غاية؟ وضمن أي حدود؟”

المقارنة مع تجارب انتقالية أخرى

في تجارب دولية عديدة، لجأت السلطات الانتقالية إلى إصدار عفو عام كجزء من ترتيبات سياسية أوسع. ففي بعض الحالات، كان العفو مشروطاً بالاعتراف بالحقيقة أو بالتخلي عن العمل المسلح. وفي حالات أخرى، أدى العفو غير المشروط إلى انتقادات حادة واتهامات بإعادة إنتاج منظومات الإفلات من العقاب.

هذه التجارب تُظهر أن العفو العام ليس مجرد أداة قانونية، بل هو خيار سياسي استراتيجي قد يساهم في الاستقرار إذا أُحسن تصميمه، أو يُعمّق الانقسام إذا جاء متسرعاً أو غير متوازن.

خلاصة قانونية

من الناحية الدستورية البحتة، وبالاستناد إلى طبيعة الإعلان الدستوري لعام 2025 الذي منح رئيس المرحلة الانتقالية صلاحيات تشريعية واسعة، يمكن القول إن أحمد الشرع يملك من حيث المبدأ صلاحية إصدار عفو عام عبر مرسوم تشريعي، ما لم يوجد نص صريح يقيّد ذلك.

غير أن هذه الصلاحية تبقى محكومة بعدة اعتبارات:
ضرورة احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بمكافحة الجرائم الجسيمة.
مراعاة حقوق الضحايا ومبادئ العدالة الانتقالية.
تجنب استخدام العفو كأداة سياسية ضيقة على حساب الاستقرار طويل الأمد.

خاتمة: القرار بين النص والواقع

في نهاية المطاف، فإن الجواب على السؤال المطروح في عنوان هذا المقال هو: نعم، يملك الرئيس من الناحية الدستورية صلاحية إصدار عفو عام في ظل الصلاحيات الواسعة المخوّلة له خلال المرحلة الانتقالية. لكن مشروعية هذا العفو ونجاحه لا يتوقفان فقط على النصوص القانونية، بل على السياق السياسي، ومضمونه، وحدوده، والرسالة التي يحملها إلى المجتمع السوري.

فالعفو العام قد يكون جسراً نحو المصالحة، وقد يكون أيضاً موضع انقسام جديد. وبين هذين الاحتمالين، يبقى حسن التقدير السياسي والالتزام بمبادئ العدالة هما الفيصل في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top