مع أول أذان مغرب في اليوم الأول من رمضان، اعتادت بيوت دمشق وحمص وحماة، وصولاً إلى قرى الساحل وريف العاصمة، أن “تُبيّض السفرة”. طبق مطهوّ باللبن يتصدّر المائدة: الشاكرية، الكبة اللبنية، الشيش برك أو الكوسا بلبن. ليس اللون وحده ما يجمع هذه الأطباق، بل الرمز؛ أن تكون البداية بيضاء، وأن “تبيضّ الأيام” كما يقول السوريون.
لكن بين بياض اللبن وواقع السنوات الأخيرة، مسافة ثقيلة اسمها الغلاء.
عادة بلا مرجعية فقهية… وهوية اجتماعية
لا تستند “تبييض السفرة” إلى نص ديني، بل إلى عرف اجتماعي متوارث. هو طقس رمزي يمنح بداية الشهر معنى محلياً دافئاً. في أحياء الشام القديمة، كانت ربات البيوت يتنافسن على إعداد الشاكرية بكميات تكفي لتبادل الصحون مع الجيران، في مشهد يعكس روح المشاركة. وفي بيوت الوسط والساحل، كان إعداد الشيش برك يتحوّل إلى ورشة عائلية تسبق رمضان بأيام، تختلط فيها الضحكات برائحة اللبن والثوم والكزبرة.
اليوم، لا تزال العادة حيّة… لكنها مثقلة بالحسابات.
غلاء يفرض طبقاً “أبيض” أقل كلفة
ارتفاع أسعار اللحوم ومشتقات الحليب جعل “الطبخة البيضاء” قراراً اقتصادياً قبل أن يكون طقساً رمزياً. كثير من العائلات استبدلت اللحم بكميات أقل، أو لجأت إلى وصفات أبسط تعتمد على اللبن والخضار فقط. بعضهم ما زال يتمسّك بالشاكرية “ولو بحدّها الأدنى”، باعتبارها إعلاناً عن الأمل في عامٍ أقل قسوة.
تقول الخمسينية أم أحمد من ريف دمشق لمؤسسة جولان الإعلامية:
“الشاكرية كانت أول ما نحسّ بطعم الفرح… هلّق صرنا نحسبها على الميزان قبل ما نطبخها. بس رغم الضيق، منعملها، لأنو بدنا أولادنا يشوفوا رمضان أبيض متل ما عرفناه.”
وتضيف السيدة أم سعيد من حماة لمؤسسة جولان الإعلامية:
“رغم غلاء الأسعار وصعوبة التوفير، بحاول أجمع ثمن الطبخة لأول يوم… وهي أكل الشيش برك اللي فيها لحمة ولبن وطحين، لأنو ما منقدر نتخلى عن هذا التقليد، وبدنا أولادنا يتعلموا عليه.”
في المخيمات… بياض مختلف
أما في المخيمات داخل سوريا وخارجها، فتبدو الصورة أكثر هشاشة. في خيام النزوح، لا تتوفر دائماً مكونات الطبق الأبيض. هناك، قد يكون اللبن رفاهية، واللحم حلماً بعيداً. ومع ذلك، تحاول عائلات كثيرة الحفاظ على “الفكرة” ولو بشكل رمزي: طبق أرز أبيض بسيط، أو لبن قليل يُوزّع على الأطفال.
في أحد المخيمات شمالي البلاد، تقول سيدة نازحة لمؤسسة جولان الإعلامية:
“ما كان فينا نجهّز الشاكرية… اكتفينا بعلبة لبن صغيرة على الرز. المهم نحس إنو رمضان بلّش مثل كل سنة.”
هكذا يتحول “تبييض السفرة” من طبق متكامل إلى إشارة معنوية، مقاومة صامتة للفقدان، وتمسّك بالذاكرة في وجه الخسارة.
بين الذاكرة والواقع
رغم كل شيء، لا يزال اللبن يحتل مكانه في القدر الكبير، ليس لأنه الأرخص أو الأسهل، بل لأنه جزء من ذاكرة جمعية ترى في البياض وعداً ببداية طيبة. في زمن الغلاء والتشظّي، تصبح العادة أكثر من تقليد؛ تصبح محاولة لحماية المعنى.
رمضان في سوريا لم يعد كما كان. تغيّرت البيوت، وتفرّق الناس بين مدن ومخيمات ومنافي. لكن في مساء اليوم الأول، حين يُسكب اللبن في القدر، يبقى هناك إصرار على أن البياض ليس لوناً فقط… بل رجاء.
- بثينة الخليل






