الفنان التشكيلي سمير قريطبي

حين نقرأ مقدمة كتاب تراثنا عزّنا (الجزء الثاني: كنوز إدلب) للأديب والفنان التشكيلي سمير قريطبي، ندرك أننا أمام شهادة حيّة لا تكتفي بسرد التاريخ، بل تكشف عن عمق ذاكرة مدينة ضاربة في جذور خمسة آلاف عام.
إدلب ليست مدينة عابرة أو وليدة الأمس كما يحلو للبعض أن يروّج، بل هي مدينة ذاكرة ممتدة في الحجر والبشر، مدينة لم تُنسَ يوماً، بل نحن الذين نسيناها أو أُجبرنا على نسيانها تحت تراب الإهمال وصمت المناهج والإعلام.

الرقيمات المسمارية التي كشفتها مملكة إبلا حملت اسم إدلب واضحاً: “إدلبو”، بل حملت أسماء عائلات ما تزال حية حتى اليوم، وكأن التاريخ يرفض أن ينقطع.
شواهدها ليست روايات تُقال، بل آثار محفورة في الأرض، من سورها القديم خلف الجامع العمري الذي كان معبداً وثنياً، إلى الرمادات الأربعة التي تراكمت عبر قرون من معامل الصابون والمعاصر، ثم أُزيلت ورُميت قرب نبع الرام لتُطمس معها طبقات من التاريخ.
وحين جرت الحفريات، ظهرت مقابر وثنية على عمق سبعة أمتار، لتؤكد أن إدلب مدينة فوق مدينة، وأن تحت كل شبر منها حجر منقوش أو ذاكرة مدفونة.

ثلاثون عاماً والفنان سمير قريطبي يرسم آثار إدلب ويقيم المعارض داخل سورية وخارجها، محاولاً أن يوثق ما تبتلعه الأرض قبل أن تبتلعه الذاكرة. في مقدمة كتابه، يصرخ بوجه النسيان: كيف تكون إدلب مدينة حديثة وعلى أرضها أكثر من 800 موقع أثري؟ وكيف تكون عابرة وفيها 140 تلاً أثرياً، وأهمها مملكة إبلا التي نسفت برقيماتها أبحاث العالم وأكدت أن هنا حضارة عمرها خمسة آلاف عام؟ إدلب ليست مجرد مدينة، إنها كنز أخضر فوق الأرض وتحتها، مدينة مكتملة من حجر وحضارة وذاكرة.

لكن الحديث عن إدلب لا يكتمل دون الحديث عن ابنها البار، الأديب والفنان التشكيلي سمير بن أحمد قريطبي، الذي جسّد في حياته كل معاني الحب الصادق للتراث الأصيل.
وُلد في 22 آذار 1954، وكأنه وُلد بيده ريشة وقلم، عاشقاً للجمال منذ طفولته. درس في مدارس إدلب، ثم تابع في مراكز الفنون التشكيلية في إدلب واللاذقية، ليصقل موهبته التي بدأت وهو دون العاشرة حين كان يرسم الأحياء القديمة بدل أن يلهو بألعاب الأطفال. لم تثنه قسوة المدرسين ولا عصا العقاب، بل زادته إصرارًا أن يصبح فناناً عالمياً، محتفظاً بلوحتين عن القضية الفلسطينية منذ بداياته الأولى.

أقام قريطبي عشرات المعارض داخل سورية وخارجها، من طرطوس واللاذقية إلى دمشق وحلب ومعرة النعمان، مشاركاً في مهرجانات المدن المنسية، وفي فعاليات أبي العلاء المعري، وفي الندوات الدولية لتسجيل المواقع الأثرية على لائحة التراث العالمي. وهو عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية، وصاحب ما يقارب 300 قصة ضمن مؤلفاته التي تنوعت بين الأدب الساخر والتراث الشعبي والقصة القصيرة وقصص السجون والمعتقلات، حيث عاش تجربة الاعتقال ثم فكّ الله أسره.

في أقواله، يختصر قريطبي رسالته: “أحمل محبة الوطن وأعتز بانتمائي لبلد يحمل مئات المواقع الأثرية… من خلال ريشتي أصل برسالتي لتوثيق المواقع الأثرية لأن سورية مهد الحضارة.” وهو لا يكتفي بالحديث عن إدلب، بل يوسّع اهتمامه ليشمل الآثار العالمية، من إسطنبول إلى اليونان وقبرص والمغرب، محضراً لرسم مشاهد أثرية من جامع آيا صوفيا والقلاع والجامع الأزرق.

إن كتاب تراثنا عزّنا ليس مجرد عمل توثيقي، بل هو امتداد لمسيرة رجل كرّس حياته ليكون شاهدًا على ذاكرة مدينة قاومت النسيان.

سمير قريطبي لم يكتفِ بأن يكون فناناً تشكيلياً، بل كان أديباً ومؤرخاً بالريشة والقلم، يكتب ويصوّر ويصرّ على أن إدلب ليست مدينة عابرة، بل كنز أخضر سيبقى للأجيال القادمة يحكي قصة حضارة عمرها آلاف السنين.

هكذا، حين نقرأ مقدمة كتابه، ندرك أن إدلب ليست مجرد جغرافيا، بل هي ذاكرة حيّة، وأن قريطبي ليس مجرد فنان، بل هو شاهد على التاريخ، وناقل أمين لتراث مدينة لا تموت.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top