مؤتمر توحيد الخطاب الإسلامي

مؤتمر توحيد الخطاب الإسلامي الذي انعقد في دمشق برعاية الرئيس أحمد الشرع وبحضور واسع للعلماء والدعاة والمشايخ، يمثل محطة بارزة في مسار إعادة بناء المرجعية الدينية الجامعة بعد سنوات من الانقسام.
فالمقصود بالتوحيد هنا ليس فرض الأحادية أو إلغاء التعددية، بل صياغة إطار مشترك يقوم على الاعتدال والوسطية ويعترف بحق الاختلاف، مع السعي إلى ضبط هذا الاختلاف ضمن حدود تمنع الانزلاق نحو التطرف أو التكفير أو الانغلاق الذي يغذي الإلحاد كرد فعل على خطاب متصلب.
إن أهمية المؤتمر تكمن في أنه جاء في لحظة تاريخية تتسم بفراغ فكري واجتماعي تركه انهيار المؤسسات التقليدية، وفي ظل تصاعد ظواهر مثل التطرف الديني الذي استغل هشاشة المجتمعات، والتكفير الذي مزق النسيج الاجتماعي، والإلحاد الذي ظهر نتيجة غياب خطاب عقلاني مقنع للشباب.
وقد صدرت عن المؤتمر وثيقة جامعة اعتبرها المشاركون خطوة نحو ترشيد الخطاب الديني الوسطي المعتدل، وهو ما أكده الدكتور حذيفة عكاش مدير مؤسسة رؤية للفكر، حيث قال إن الوثيقة “جميلة معتدلة ستساهم بترشيد الخطاب الديني الوسطي المعتدل الذي يسهم بنهضة البلاد واستقرارها”، مشيراً إلى أن جمالها يكمن في كونها ثمرة حوارات في كل المحافظات السورية من قبل لجان علمائية متخصصة، وبالتالي فهي صادرة من العلماء والدعاة أنفسهم، مما يجعلها أدعى للقبول والامتثال.
أما الدكتور حسين عبد القادر المؤيد، السياسي والمفكر العراقي، فقد وصف ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي بأنه “من أهم منجزات التجربة السورية الجديدة، بل هو من الإنجازات التاريخية الحديثة على مستوى الوضع الإسلامي رسمياً وشعبياً”، معتبراً أن الوثيقة تمثل نقلة نوعية في إعادة بناء المرجعية الدينية الجامعة.
في حين أشار الدكتور محمد نور حمدان، مدير مركز مناصحة، إلى أن أحد أسباب تأخر انتصار الثورة السورية كان الخلافات الداخلية في الصف الإسلامي بين المدارس المختلفة (صوفي/سلفي، أشعري/ماتريدي/أهل الحديث)، ومن هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر الذي جمع أكثر من 1500 داعية وعالم وأكاديمي وشيخ، ورعاه الرئيس أحمد الشرع، ليصدر ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي بعد عقد ورشات متعددة، مؤكداً أن هذا الميثاق يعمل على جمع الكلمة ووحدة الصف الإسلامي في سورية، وقد تخلل المؤتمر أيضاً زيارة لمعرض الكتاب واقتناء بعض الكتب، في إشارة إلى أن النهضة الفكرية والدينية لا تنفصل عن النهضة الثقافية.
إن مواجهة التطرف الديني والتكفير والإلحاد تتطلب خطاباً عقلانياً جامعاً يربط بين النصوص الدينية وقيم الحرية والعدالة، ويكشف أن التكفير ليس سوى انحراف عن جوهر الدين الذي يقوم على الرحمة، وأن الإلحاد لا يُجابَه بالقمع بل بالحوار العقلي والفلسفي الذي يثبت أن الدين لا يتناقض مع العلم ولا مع التفكير النقدي. لذلك فإن المؤتمر إذا أراد أن ينجح، عليه أن يترجم وثيقته المرجعية إلى ممارسات عملية في المساجد والمناهج والإعلام الديني، وأن يضمن إشراك مختلف التيارات الفكرية والدعوية حتى لا يتحول إلى مجرد حدث رمزي.
في النهاية، مؤتمر توحيد الخطاب الإسلامي هو خطوة مهمة نحو بناء مرجعية دينية جامعة، لكنه يظل اختباراً مفتوحاً: هل سيكون بداية لتحول حقيقي في علاقة الدين بالمجتمع والدولة، أم سيبقى مجرد شعار يرفع في مواجهة أزمات عميقة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على مدى قدرة المؤسسة الدينية على مواجهة التطرف والتكفير والإلحاد بخطاب عقلاني جامع، وعلى مدى استعدادها لاحتضان التعددية بدلاً من مصادرتها، وهو ما سيحدد إن كان هذا المؤتمر حدثاً تاريخياً مؤسساً أم مجرد محطة عابرة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top