هناك نظرية غير مكتوبة، لكنها متداولة بهدوء في أروقة بعض الإدارات، تقول إن أكبر عقبة أمام التنمية هو المواطن نفسه. فالمواطن، على سبيل المثال، يستهلك كهرباء. ولو لم يستهلكها، لما ارتفعت فاتورة الاستهلاك، ولأمكن توجيه الدعم لمشاريع أكثر نفعاً، مثل طباعة المزيد من البيانات الرسمية.
والمواطن يستخدم الإنترنت. ولو قرر العيش بلا اتصال، لما اشتكى من ضعف الشبكة، ولتمكنت شركة الاتصالات من إعلان نجاح خطتها التوسعية دون أي ازعاج.
والمواطن يريد مازوتاً للتدفئة. ولو أحبّ الشتاء كما هو، بعواصفه وبرده، لما شكّل ضغطاً على قطاع الطاقة، ولتفرغ المسؤولون لوضع اللمسات الأخيرة على الاستراتيجية الوطنية للطاقة البديلة.
وأبعد من ذلك.. إن المواطن يصرّ على تناول الطعام يومياً. ولو اكتفى، مثلاً، بالتصريحات المطمئنة الصادرة عن وزارة التموين، لانخفض الطلب على الأسواق وانخفضت معه الأسعار تلقائياً.
باختصار، المواطن لا يساعد في عملية الإصلاح. هو يتنفس أكثر مما يجب، ويسأل أكثر مما يُستحسن، ويحسب راتبه في نهاية الشهر بطريقة لا تتماشى أبداُ مع الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. كلما قيل له “الظروف صعبة”، يجيب بوقاحة: “أعلم.. لكنها أصعب عندي”.
وهنا تبدأ المشكلة.
المواطن لا يفهم أن رفع الأسعار أحياناً هو حماية له من انخفاضها. ولا يدرك أن التقنين الطويل في التيار الكهربائي هو تدريب عملي على الصبر الوطني الأصيل. ولا يستوعب أن الاجتماعات المتكررة التي تعقد على ورق (أون لاين) هي دليل عمل دؤوب، حتى لو لم يرَ نتيجة ملموسة على أرض الواقع.
هو ببساطة يتعامل مع حياته اليومية كأولوية قصوى. وهذا خطأ إداري جسيم.
المواطن، هذا الكائن المزعج، يقيس الأمور بجيبِه، دون أن يلتفت إلى البيان الرسمي. يسأل عن الخبز، ولا يهمه الخطة الخمسية. يفكر بفاتورة الكهرباء بعيداً عن استراتيجية التحول الطاقي. ولو أنه تحلّى بقليل من التفهّم، لعرف أن التنمية تحتاج تضحية. وغالباً ما تكون هذه التضحية من جيبه هو بالضبط.
وفي أحدث تقرير لمعهد التخطيط (غير المعلن)، تبين أن المواطن المثالي هو ذلك الذي لا يظهر في الإحصاءات. المواطن الصامت، الذي لا يشكو، ولا يمرض، ولا يتعلم، هو الركيزة الحقيقية للتنمية الصامتة.
المشكلة أيها السادة أن المواطن كائن عضوي، بينما التنمية كائن ورقي. العضوي يتعرق، ويجوع، ويغضب ثم يتغوط. أما الورقي فهو أنيق، مرتب، وينتظر التنفيذ في الأدراج. الصراع الأزلي هو أن الجسد الحي يزعج الورق الساكن.
من الناحية الاقتصادية، يمكن اعتبار المواطن عجزاً متراكماً. دخله سلبي (يطلب دائماً)، وإنفاقه إلزامي (يستهلك يومياً). بينما التاجر المثالي هو من يبيع الهواء المعبأ في زجاجات، والمواطن المثالي هو من يتعلم ألا يتنفس.
المفارقة أن هذا المواطن نفسه هو الذي يُطلب منه الصمود، والدعم، والثقة، والصبر. لكنه، وبكل أنانية، حين يطالب بنصيبه من النتائج، يصبح متذمراً ومعطلاً للخطة.
ربما الحل بسيط: لو توقف المواطن عن العيش قليلاً، ستنجح الخطط أسرع. إلى أن يحدث ذلك، ستظل التنمية مشروعاً واعداً يعيقه شخص واحد فقط. اسمه: المواطن.
هامش:
حتى الآن، تدرس خلية الأزمة في رئاسة الوزراء إمكانية استبدال المواطن بنموذج تشغيلي تجريبي: مواطن افتراضي، يعمل بالطاقة الشمسية، لا يأكل الخبز، يدفع الفواتير إلكترونياً دون اعتراض، ويصدّق جميع البيانات الرسمية. المشكلة الوحيدة التي تم رصدها في النموذج التجريبي: هذا المواطن لا يدفع ضرائب أيضاً. وهذه كارثة وطنية أخرى بانتظار الحل.






