في خطوة وُصفت بأنها تحول نوعي في مسار الإدارة المحلية، أصدر محمد عنجراني وزير الإدارة المحلية القرار رقم /13/، استناداً إلى قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، مانحاً المحافظين صلاحيات موسعة تهدف إلى تعزيز اللامركزية الخدمية وتسريع الإجراءات في مختلف المحافظات، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو نقل مركز القرار من المستوى المركزي إلى الإدارات المحلية.
تفويض شامل في الصلاحيات التنفيذية والمالية
القرار خوّل المحافظين ممارسة اختصاصات الوزير في تشكيل المكاتب التنفيذية، وتصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، إضافة إلى عقود البيع والإيجار والاستثمار، فضلاً عن الصلاحيات المالية المنصوص عليها في قانون العقود.
ويُنتظر أن يسهم هذا التفويض في تقليص حلقات المراسلات الإدارية، وتسريع تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية، عبر منح المحافظات قدرة أكبر على التحرك واتخاذ القرار بما يتناسب مع أولوياتها واحتياجاتها الفعلية.
إدارة أكثر مرونة لشؤون العاملين
وشمل القرار شؤون العاملين وفق قانون العاملين الأساسي، بما في ذلك التعيين والنقل والندب والإجازات والتعويضات والمكافآت، إضافة إلى إخلاء المساكن الإدارية ومنح تعويض شهرين للعامل المنتهية خدمته لبلوغه السن القانونية.
ويعكس ذلك توجهاً نحو تمكين الإدارات المحلية من إدارة مواردها البشرية بمرونة أكبر، ما قد يسهم في تحسين الأداء المؤسسي ورفع كفاءة العمل الخدمي في المحافظات.
صلاحيات استثمارية واسعة لتعزيز التنمية
ومن أبرز ما تضمنه القرار منح المحافظين صلاحيات استثمارية موسعة، بينها تصديق عقود تتراوح قيمتها بين مليار و15 مليار ليرة سورية جديدة، والموافقة على مشاريع تصل قيمتها إلى 500 مليون ليرة سورية جديدة.
كما خوّلهم اعتماد المخططات التنظيمية البيئية، وإغلاق المنشآت المخالفة، وممارسة صلاحيات واردة في قوانين سابقة، بما يعزز سرعة اتخاذ القرار، ويمنح الإدارات المحلية أدوات أوسع لمعالجة القضايا الخدمية والتنظيمية والاستثمارية على المستوى المحلي.
نحو لامركزية أكثر فاعلية
القرار نصّ على إلغاء كل ما يخالف مضمونه، ويُعد نافذاً من تاريخ صدوره، على أن يُنشر في الجريدة الرسمية.
ويرى متابعون أن هذه الخطوة قد تشكل محطة مهمة في مسار تطبيق اللامركزية الإدارية، عبر تمكين المحافظات من إدارة شؤونها بمرونة أكبر، وتقريب القرار من المواطن، وتسريع عجلة التنفيذ في الملفات الخدمية والتنموية، شريطة أن تترافق مع آليات رقابة فعالة تضمن الشفافية وحسن إدارة الموارد.
تطور اللامركزية في سوريا… من مركزية 1971 إلى مرحلة ما بعد الثورة
لم يكن مسار اللامركزية في سوريا وليد المرحلة الحالية، بل مرّ بمحطات تشريعية متعددة، فقد شكّل قانون الإدارة المحلية رقم 15 لعام 1971 الإطار الناظم للإدارة المحلية لعقود طويلة، حيث منح الوحدات الإدارية شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً نظرياً، إلا أن التطبيق العملي ظل خاضعاً لرقابة مركزية مشددة، ما حدّ من فاعلية المجالس المحلية في اتخاذ قرارات مستقلة.
ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011 وما رافقها من تحديات خدمية وإدارية، صدر قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011 ليشكّل نقلة تشريعية مهمة، إذ وسّع صلاحيات الوحدات الإدارية، ومنحها استقلالية أوسع في التخطيط والتمويل وإدارة المشاريع، كما نصّ على انتخاب المجالس المحلية ومنحها دوراً أكبر في إدارة شؤونها.
غير أن الفارق بين النصوص القانونية والتطبيق العملي ظل مرتبطاً بمدى تفويض الصلاحيات التنفيذية والمالية فعلياً من السلطة المركزية إلى المحافظات، وهو ما يجعل القرار الجديد خطوة تنفيذية مهمة باتجاه تفعيل روح القانون، عبر نقل صلاحيات نوعية في مجالات التعاقد والاستثمار وإدارة الموارد البشرية.
وبذلك، يمكن النظر إلى القرار رقم /13/ بوصفه حلقة ضمن مسار تطوري بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، مروراً بالتحول التشريعي عام 2011 بعد انطلاق الثورة، وصولاً إلى محاولات اليوم لتعزيز مفهوم اللامركزية الخدمية، وتحقيق إدارة محلية أكثر كفاءة وسرعة واستجابة لاحتياجات المجتمع.
السؤال الأهم: هل يُنفّذ فعلياً أم يبقى حبراً على ورق؟
ورغم أهمية القرار رقم /13/، يبرز تساؤل مشروع في الأوساط الإدارية والرقابية:
هل سيتم تطبيق هذه الصلاحيات فعلياً على أرض الواقع، أم تبقى ضمن القرارات التي تصدر دون أن تُفعّل بالكامل؟
تجارب سابقة أظهرت أن بعض النصوص المتعلقة باللامركزية بقيت مقيدة بتعليمات تنفيذية، أو بآليات رقابة مركزية تحدّ من استقلال القرار المحلي، وبالتالي، فإن نجاح هذا التفويض يرتبط بعدة عوامل، أبرزها:
-وضوح التعليمات التنفيذية وعدم تقييد الصلاحيات بشروط لاحقة.
-توفير كوادر إدارية مؤهلة في المحافظات قادرة على إدارة الصلاحيات الجديدة.
-تفعيل أنظمة رقابة شفافة تضمن حسن استخدام الموارد دون العودة إلى المركز في كل تفصيل.
-وجود إرادة سياسية حقيقية لاستكمال مسار اللامركزية، لا الاكتفاء بإطارها القانوني.
فإذا ما طُبّق القرار بروحه وأهدافه، فقد يشكّل خطوة حقيقية نحو إدارة محلية أكثر مرونة وكفاءة، أما إذا بقيت الصلاحيات مقيدة بتفسيرات أو إجراءات لاحقة، فقد ينضم إلى قائمة القرارات التي لم تُستثمر بالكامل.
وبين الاحتمالين، يبقى التنفيذ هو الفيصل.
- محمد قنو






