لم تكن قضية “ترك العمل” التي واجهها الدكتور عماد كنعان والدكتور عبد المهيمن ديرشوي وغيرهما مجرد ملف إداري عابر، بل هي صورة مكثفة عن مأساة جيل كامل من الأكاديميين السوريين الذين انحازوا للثورة منذ انطلاقتها، فوجدوا أنفسهم بعد سقوط النظام أمام قوانين كأنها صيغت خصيصاً لمعاقبتهم.
إن النظام البائد لم يكتفِ بقتل السوريين وتشريدهم، بل ابتكر نصوصاً قانونية ظاهرها تنظيمي وباطنها عقابي، ليحوّل الموقف الأخلاقي إلى جرم قانوني، وليجعل من الانشقاق عن مؤسساته وصمة لا تُمحى.
الدكتور عماد كنعان، الذي ترك عمله في كلية التربية بجامعة دمشق منذ عام 2012م رفضاً لأن يكون جزءاً من آلة الاستبداد، فوجئ عند عودته إلى الوطن بعد سقوط النظام بإشعار رسمي يمنعه من السفر، استناداً إلى دعوى قضائية رفعها النظام البائد ضده عام 2014م بتهمة “جرم ترك العمل”. وبين مكاتب الحدود والجامعة، وجد نفسه مضطراً لخوض إجراءات بيروقراطية مرهقة، ودفع غرامات مالية باهظة، وإتمام براءات ذمة متشعبة، ليتمكن في النهاية من تقديم استقالته رسمياً.
لم تكن تلك الإجراءات مجرد معاملات إدارية، بل كانت محاكمة سياسية للثوار بجرائم صاغها نظام مجرم، أراد أن يخلّد في سجلاته أن كل خروج على طاعته هو جريمة.
وفي خضم هذه المعاناة، استعاد كنعان ذكريات داريا، حيث أسّس مع نخبة من الأكاديميين المجلس المحلي للمدينة، إحدى أهم معاقل الثورة السورية. قارن بين تلك الصفحات المضيئة من تاريخه الثوري وبين توصيف “الجريمة” الذي وُسم به، مؤكّداً أن هذه التهمة ليست عاراً بل وساماً على صدره. وفي رسالته التي نشرها على حسابه في فيسبوك، لم ينسَ أن يوجّه عتاباً شديداً إلى “الفلول الإداريين” الذين بقوا في مواقعهم، ينظرون إلى الثوار بشماتة، قائلاً إنهم لن يستطيعوا محو وصمة العار من تاريخهم يوم كانوا شهود زور على مذبحة شعبهم.
أما الدكتور عبد المهيمن ديرشوي، فقد وجد نفسه في المأزق ذاته، إذ صدر بحقه قرار منع سفر ومحاكمة بجرم ترك العمل، رغم أنه لم يتوقف طوال سنوات المنفى عن التدريس والتأليف وإعداد الأبحاث وتدريب النخب في الشمال والمهجر.
المفارقة المؤلمة أن من بقي في مواقع عمله تحت سلطة النظام لم يُحاسب، بل ارتقى في المناصب والرتب العلمية، بينما من رفض أن يكون جزءاً من المنظومة الظالمة واصل دفع الثمن حتى بعد سقوطها.
هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لدولة يفترض أنها “جديدة” أن تستمر في تطبيق قوانين صيغت لخدمة الاستبداد؟ إن استمرار العمل بهذه النصوص هو خيانة لجوهر الثورة، وإعادة إنتاج لذات الظلم الذي ثار السوريون عليه. الحكومة السورية الجديدة مطالَبة اليوم بإحداث قطيعة قانونية واضحة مع إرث النظام البائد، عبر إلغاء هذه القوانين السلطوية، وإعادة الاعتبار لكل من دفع ثمناً سياسياً أو مهنياً في مواجهة الاستبداد.
العدالة الانتقالية لا تقتصر على محاكمة القتلة، بل تشمل أيضاً إصلاح البنية القانونية والإدارية التي استخدمها النظام كسلاح ضد مواطنيه.
إن قضية “ترك العمل” تكشف أن الثورة لم تُستكمل بعد في مؤسسات الدولة! فالقوانين ما زالت تحمل روح النظام البائد، والبيروقراطية ما زالت تحاكم الناس بمنطق الطاعة العمياء. وإذا لم تُبادر الحكومة الجديدة إلى إصلاح هذا الواقع، فإنها ستفقد ثقة الناس، وستُتهم بأنها مجرد امتداد شكلي لسلطة قديمة بثوب جديد.
وأخيراً فإن المطلوب اليوم ليس مجرد تسوية إدارية، بل إرادة سياسية وتشريعية قانونية تُعلن بوضوح أن زمن العقاب السلطوي قد انتهى، وأن زمن العدالة قد بدأ.






